المسار: الاستدامة... من الحديث إلى الإنجاز  (2-2)

نشر في 03-11-2026
آخر تحديث 02-11-2026 | 18:53
 د. بدر عثمان مال الله

في الجزء الأول طرحت سؤالاً: هل نجحنا في استدامة التنمية، أم نجحنا فقط في استدامة الحديث عنها؟ والإجابة تقتضي الاعتراف بأن الخطاب التنموي قد يتقدم على الممارسة، وأن كثرة الخطط والمبادرات لا تعني بالضرورة تراكم الإنجازات. والسؤال الآن ليس كيف نضيف خطة جديدة، بل كيف نجعل إنجازاتنا قادرة على إنتاج إنجازات أخرى، بحيث تصبح التنمية مساراً متصلاً، لا محاولات متقطعة تبدأ كل مرة من جديد؟ 

الاستدامة لا تتحقق بمجرد وضع مؤشرات ومواعيد زمنية للتنفيذ، بل بقدرتنا على قياس التغيير الذي أحدثته السياسات في الاقتصاد والمجتمع. فقد تُنجز المشروعات في الوقت المحدد، ووفق ميزانياتها، دون أن تحقق تحسناً موازياً في الإنتاجية أو جودة الخدمات أو فرص العمل. كما أن ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية لا يكفي وحده دليلاً على التنويع، إذا ظلت تلك الأنشطة تعتمد في نموها على الإنفاق النفطي. لذلك، لا ينبغي أن نقيس نجاح التنمية بما أنفقناه أو أنجزناه فحسب، بل بما أضافته تلك الإنجازات إلى قدرات الاقتصاد والمجتمع. فالإنجاز يقاس بما تحقق، أما أثره فيقاس بما تغير. المشكلة ليست في حجم الإنفاق العام وحده، بل في قدرته على بناء أصول إنتاجية وبشرية ومؤسسية تتجاوز أثره المباشر. فالإنفاق على التعليم، مثلاً، لا تكتمل قيمته ببناء المدارس أو تخريج الطلبة، بل بما يضيفه إلى مهارات الإنسان وإنتاجيته وقدرته على الابتكار. وكذلك مشروعات البنية الأساسية، التي لا تقاس قيمتها بما شُيّد منها، بل بما تتيحه من فرص اقتصادية وتخفضه من تكاليف الإنتاج. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، تصبح هذه العلاقة أكثر أهمية، هل يحول الإنفاق العام الموارد المتاحة إلى مصادر جديدة للدخل، أم يعيد تدويرها في أنشطة تظل مرتبطة بها؟ فالتنمية لا تستدام باستمرار ضخ الموارد، بل ببناء القدرة على توليد قيمة جديدة منها. متابعة تنفيذ الخطط والإعلان عن نسب الإنجاز لا تكفي ما لم تقترن المساءلة بتحليل أسباب التعثر وتصحيح السياسات. فقد يكون الإخفاق ناتجاً عن خلل في تصميم البرنامج، أو ضعف التنسيق بين المؤسسات، أو غياب الحوافز، أو عدم ملاءمة الموارد للأهداف. وإذا اكتفينا بتسجيل النتائج دون معالجة أسبابها، تحولت المساءلة إلى إجراء إداري، واستمرت الاختلالات تحت عناوين جديدة. المطلوب منظومة مؤسسية تتعلم من التجربة، وتعيد توجيه الموارد وفق النتائج، وتربط المسؤولية بوضوح الصلاحيات والقدرة على التنفيذ. فالمؤسسات لا تتقدم بمجرد محاسبة الماضي، بل بقدرتها على منع أخطائه من التحول إلى مستقبل متكرر. إن الاستدامة، في معناها التنموي الأعمق، ليست المحافظة على النموذج الاقتصادي القائم، بل تطويره وتجاوز اختلالاته. وهي لا تتحقق بمؤشرات مالية مطمئنة وحدها، إذا لم تقابلها إنتاجية أعلى، ومهارات أفضل، ومؤسسات أكثر كفاءة، وفرص أوسع أمام الإنسان. فالتنمية الحقيقية عملية تراكمية، يهيئ فيها إنجاز اليوم شروط إنجاز الغد، ويصبح كل استثمار ناجح أساساً لقدرات جديدة، لا مجرد بند يُغلق في حسابات السنة المالية. استدامة التنمية ليست بتكرار الإنجاز عاماً بعد عام، بل أن يجعلنا إنجاز اليوم أكثر قدرة على إنجاز الغد، وإلا فإننا لا نستديم التنمية، بل نستديم حاجتنا إلى البدء من جديد.

اقرأ أيضا
back to top