المسار: الاستدامة... استدامة ماذا؟ (1-2)

نشر في 27-10-2026
آخر تحديث 26-10-2026 | 18:19
 د. بدر عثمان مال الله

لم يَعُد الحديث عن الاستدامة مقتصراً على المؤتمرات التنموية أو التقارير الاقتصادية، بل أصبح حاضراً في معظم الخطابات والخطط والبرامج، حتى غدا من أكثر المصطلحات تداولاً في لغة التنمية المعاصرة. لكن كثرة الاستخدام لا تعني بالضرورة عُمق الفهم، وتكرار المفردة لا يثبت تحقق مضمونها. 

ويبرز هنا سؤال يستحق التأمل: هل نجحنا في استدامة التنمية، أم نجحنا فقط في استدامة الحديث عنها؟ الاستدامة، في جوهرها، ليست غاية مستقلة، بل وسيلة لضمان استمرار التقدُّم الاقتصادي والاجتماعي، وصيانة الموارد، وتعزيز قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. غير أن المفهوم يفقد معناه حين ينفصل عن النتائج التي يفترض أن يحققها. فليس كل ما يستمر إيجابياً، وليس كل ما نستطيع المحافظة عليه جديراً بالاستمرار. قد يستديم الاقتصاد أنماطاً استهلاكية غير منتجة، وقد تستديم المؤسسات اختلالاتها، وقد تستمر السياسات سنوات طويلة من دون أن تحقق أهدافها. عندئذ تُصبح الاستدامة وصفاً للاستمرار، لا دليلاً على التقدُّم، والاستمرار في المسار الخطأ لا يصنع مستقبلاً أفضل. 

المشكلة تكمن في أن بعض المفاهيم التنموية، مع كثرة تداولها، تتحوَّل إلى مفردات جاهزة تتصدَّر الخطابات والوثائق الرسمية، من دون أن تقترن دائماً بأهداف محددة، أو مؤشرات قابلة للقياس، أو مساءلة عن النتائج. وهكذا تتسع المسافة بين اللغة والممارسة، وتُصبح المصطلحات وسيلة لإظهار مواكبة الاتجاهات العالمية، بدلاً من أن تكون إطاراً لتغيير الواقع. 

والمفارقة أن الخطاب قد يبدو أكثر تطوراً من السياسات التي يعبر عنها، فنُحسن وصف المستقبل، فيما نظل أسرى مشكلات الحاضر. 

تكتسب المسألة أهمية خاصة في اقتصادنا الوطني، حيث لا يكفي الحديث عن استدامة الموارد المالية، ما لم يقترن ببناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية. فاستمرار الإيرادات النفطية، مهما بلغت أهميتها، لا يضمن استدامة التنمية في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على مورد ناضب، ويظل الإنفاق العام فيه محركاً أساسياً للنشاط الاقتصادي. كما أن استدامة الإنفاق لا تعني بالضرورة استدامة الرفاه، إذا لم تتطور الإنتاجية، وتتحسَّن كفاءة الإدارة، وتتقدَّم مخرجات التعليم، وتتسع فرص العمل المنتج. وقد نُحافظ على قدرتنا على الإنفاق سنوات أخرى، من دون أن نبني بالقدر نفسه قدرتنا على الإنتاج. وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تشغل التفكير التنموي، لا مجرَّد المحافظة على المؤشرات المالية في الأجل القصير. 

لا تكتمل الاستدامة باستمرار الموارد أو توازن الحسابات وحدهما، بل بقدرة المجتمع على تحويلهما إلى نتائج ملموسة في حياة الإنسان. فالتعليم الذي لا يبني المهارات، والنمو الذي لا يُوسع الفرص، والإنفاق الذي لا يحسن الخدمات، كلها تطرح سؤالاً عن جدوى الاستمرار في السياسات القائمة. 

الاستدامة الحقيقية هي التي توسع قدرات الإنسان، وتعزز استقلاله الاقتصادي، وتمنح الأجيال الجديدة فرصاً أفضل من تلك التي أُتيحت للأجيال السابقة. وما لم تتحقق هذه النتائج، تظل الاستدامة إطاراً نظرياً جميلاً، محدود الأثر في الواقع. 

إننا لا نحتاج إلى تكرار مفهوم الاستدامة بقدر حاجتنا إلى استدامة الإنجاز. ولا نحتاج إلى مزيدٍ من الخطط التي تتحدَّث عن المستقبل، بقدر حاجتنا إلى سياسات تنقل الحاضر إلى مستقبل مختلف. فالمعيار ليس عدد المرات التي نذكر فيها الاستدامة، بل ما ننجح في استدامته من تقدُّم، وما نمتلكه من قدرة على تصحيح المسار. فالتنمية لا تُقاس بما نستطيع إبقاءه على حاله، بل بما نستطيع تغييره إلى الأفضل، والاستدامة التي لا تحمل المجتمع إلى الأمام ليست استدامة للتنمية، بل استدامة لواقع لم ننجح في تغييره.

back to top