الديموقراطية في الخليج عادت إلى الواجهة

  • 27-06-2022

بعد نشر مقالة لي قبل أسبوعين وكانت بعنون «هل المشكلة في الديموقراطية أم في الشعوب» تلقيت العديد من الردود والاتصالات، وأحدهم نصحني بقراءة كتاب «الديموقراطية العصية في الخليج العربي» للدكتور باقر سلمان النجار، الباحث البحريني وأستاذ علم الاجتماع، والصادر عن دار الساقي في بيروت، ولذلك عزمت على مطالعة بعض فصوله، ووجدت فيه تحليلاً موضوعياً يلامس الواقع وبمنهج أكاديمي بعيداً عن لغة الإثارة والشعارات الحماسية.

يحاول الدكتور النجار أن يفكك الخطاب السائد والقائل إن هناك عداءً متأصلاً في المجتمعات العربية نحو الحداثة والديموقراطية والمجتمع المدني، وإن الشعوب العربية تطرب لقمع الأنظمة أكثر مما تنزع إلى الخلاص منها!

وباعتقاده أن المسألة أكبر وأكثر تعقيداً من التبسيط المخل الذي تطرحه تلك الكتابات، لأن طبيعة الدولة العربية وهيمنتها المطلقة على المجتمع والحكم، إضافة إلى طبيعة علاقاتها التحالفية مع الخارج دفعت بالأمور نحو تعميق الفجوة بين الدولة والنخب السياسية من ناحية والمجتمع من ناحية أخرى.

خلاصة قوله أن المجتمع العربي بشكل عام يحتاج إلى إحداث تغيرات جذرية وجوهرية في نظامه السياسي من حيث خطابه وآلياته ورموزه ومسلماته السياسية. وفي الخلاصات أيضا ومن وجهة نظره، أنه إذا كان المجتمع المدني في الخليج العربي عجز أن يكون قوة مؤثرة ودافعة نحو «الدمقرطة» فهذا لا يلغي مسؤولية الدولة الممسكة بزمام الحل والعقد، من أن تحدث ذلك، فالتحولات التي شهدتها المنطقة منذ الطفرة النفطية في السبعينيات عمقت معضلات العلاقة مع الجماعات والفئات الأقل حظاً في نصيبها من الثروة النفطية. ينتهي به الأمر للقول إن إنشاء مجالس للشورى أو مجالس نيابية أو غيرها من الهيئات والمؤسسات لم يحمل جديدا إلا في الشكل دون مشاركة شعبية حقيقية في الحكم، ناهيك عن غياب فكرة تداول السلطة.

يقدم الكتاب عرضاً مسهبا وتحليلاً وثيقاً للمجتمع الخليجي وطبيعة مؤسسة الدولة وعلاقاتها بمنظمات المجتمع المدني الفاعلة، وهذا التحليل يسوقنا إلى كتاب الدكتور خلدون النقيب «المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية» والذي يقدم لنا صورة أشمل ومن منظور مختلف تماماً اقترب فيه من القضايا ذات الطابع الحساس وهي أشبه بالمحرمات وغير القابلة للنقاش.

موضوع الديموقراطية تناوله العديد من الباحثين والدارسين باعتباره قضية مثارة تحتمل النقاش والاختلاف والبحث، وما استوقفني من ردود الأفعال على مقالتي الأخيرة ذلك الإجماع الذي يختصر الجدل، فالمشكلة كما يرونها تكمن في الشعوب نفسها لا في الديموقراطية كنظام سياسي.

وسط هذا المناخ عادت «الساحة الديموقراطية» في الكويت للبروز من جديد في محيطنا الخليجي والعربي بعد أن سادت حالة من الرضا الفخر بخطاب القيادة السياسية المتمثل بحرصها على تحصين وتعزيز العمل بالدستور، لتبقى في النهاية تجربة حية يتمنى المخلصون للكويت أن تعبر بهذا البلد إلى بر الأمان والاستقرار السياسي المنشود، فنجاحها سيصحح نظرة البعض إلى «الديموقراطية» كأحد الخيارات المستقبلية التي تلجأ إليها الأنظمة في هذه المنطقة.

حمزة عليان