حاسة الذوق... والاحتمالات الكثيرة
تتناول البرغر بالجبن في اليوم الأول، وتنكبّ على طبق السوشي في اليوم التالي. بات طعامنا عالمياً، ويستمتع به مذاقنا. إلا أن عملية الأيض لدينا ما زالت عالقة إلى حدٍّ ما في العصر الحجري، مما يعني أنك لا تحصل أحياناً على الغذاء الذي تظنّ أنّك تجنيه من المأكولات التي تتناولها.
لنتأمل في مثال السوشي: يتألف من السمك والأرز الملفوفين بأعشاب البحر «نوري»، وهي نوع من الطحالب الحمراء تُدعى «بورفيرا»، وتنتشر في المياه الباردة حول اليابان.يجمع اليابانيون سكان هذه الجزيرة البورفيرا ويستهلكونها كطعام منذ القرن الثامن على الأقل. كانوا يحوّلونها بادئ الأمر إلى معجون، ثم صاروا يجففونها ويضغطونها على شكل أوراق رقيقة. تنتشر مزارع النوري راهناً على طول الساحل الياباني وتنتج طحالب تصل قيمتها سنوياً إلى ما يفوق المليار دولار، وهي تمدّ الغذاء الياباني بالفيتامين B، الذي يُعتبر ضرورياً لعمل الجهاز الهضمي، فضلاً عن البروتين، والحديد، والكالسيوم، والمغنيزيوم.لكنّ المتحدرين وحدهم من أصول يابانية يمكنهم الحصول على حاجتهم من النوري، حسبما اكتشف فريق بحث دولي قبل بضع سنوات. في حالة الآخرين، تجعل تركيبة النوري الخاصة من السكاريد المتعدد هذه المادة البحرية النشوية الغنية بالألياف عصية على الهضم. ففيما يتمتع اليابانيون بإنزيمات خاصة تستهدف النشويات وتُعتبر ضرورية لتفكيك ألياف البورفيرا، يفتقر غير اليابانيين إليها.يقدّم لنا الجينوم البشري احتمالاتنا كافة. ولكن ثمة مجال بارز يقصّر فيه، ألا وهو قدرتنا على تفكيك أنواع السكريد المتعدد، أي النشويات التي ندعوها أليافاً غذائية. ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن النشويات لم تتحوّل إلى أكبر جزء من غذاء الإنسان إلا بعد الثورة الزراعية قبل 10 آلاف سنة، أي ما يعادل غمضة عين في عملية التطوّر.
عند التعاطي مع النشويات، نترك أكبر جزء من هذه المهمة إلى الميكروبيوم. إن كانت مجموعة الميكروبات هذه صحية كفاية، وإن كنا نملك التنوع الصحيح منها، تنجح في التحوّل إلى عضو أيضي كبير، مستخلصةً المواد المغذية من الطعام ومعالجةً إياه بفاعلية.حتى في هذه الحالة، يملك المتحدرون من أصول يابانية وحدهم البكتيريا الضرورية في الميكروبيوم لمعالجة النوري. حصل الميكروبيوم في جسمهم على إنزيمات تفكك الطحالب بأساليب سرية: من البكتيريا البحرية التي تعلق بالطحالب الحمراء. في مرحلة ما من التاريخ، مع توافر النوري باستمرار واستهلاكه الدائم في اليابان، انتقلت الجينات التي تولّد إنزيمات تفكك النشويات من البكتيريا المتسللة إلى الجسم مع طحالب النوري إلى البكتيريا في الميكروبيوم. ولما كان النوري لا يُطهى على النار تقليدياً، فاستطاعت البكتيريا العالقة فيه النجاة لتحتكّ بميكروبات الأمعاء في جسم الإنسان و«تحدّثها» لتنتج الإنزيمات الملائمة.
تكيّف الإنسان
لنعتبر هذا أول دليل على كيفية تكيّف الإنسان مع البيئات المختلفة التي يسكنها، سواء كانت القطب المتجمد الشمالي، أو الغابات المطيرة، أو الجزر الرطبة. تمارس الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة بتناول الطعام المتوافر في مواطن معينة الضغط على الجهاز الجيني، ما يدفعه إلى البحث عن حل. عندما يجده، تنتقل هذه الخاصية الجينية في سكان المنطقة بواسطة الانتقاء الطبيعي، بما أن الأكثر قدرة على التكيّف والازدهار يخلّفون ذرية أكبر. نتيجة لذلك، نلاحظ اختلافات مذهلة حول العالم في فاعلية الأجسام على معالجة أطعمة محددة. ربما تكون الأسماك الدهنية إحداها. تشير أدلة حديثة إلى أن شعوب الإنويت تستطيع وحدها استهلاك كميات كبيرة من الدهون من الأسماك والثدييات البحرية من دون أن تعاني مرض القلب وعواقب السمنة، مثل مقاومة الإنسولين والداء السكري. في هذا السياق، اكتشف راسموس نيلسن وزملاؤه من جامعة كاليفورنيا ببيركلي أن الإنويت في غرينلندا يحملون طفرة في جينات تُعنى بعملية أيض الدهون، التي سمحت لأسلافهم السيبيريين بالنجاة في موطنهم البارد قبل 20 ألف سنة باستهلاك لحم الحيتان والفقمة الدهني. لكن الطفرة ذاتها لم تصِب إلا 2% من الأوروبيين و15% من سلالة الهان الصينية.الطفرة الجينية
أوقفت الطفرة الجينية إنتاج إنزيمات تسمح للجسم عادةً بعدم إشباع الأحماض الدهنية، معوّضة بالتالي عن استهلاك الإنويت الكبير من أحماض أوميغا-3 الدهنية المتعددة غير المشبعة التي تحتوي عليها أسماك المياه الباردة، حسبما يذكر الفريق في مجلة Science.لكن إمكان استهلاك الإنويت هذا القدر الكبير من الدهون من دون أن يعانوا عواقب قلبية وعائية أو أيضية لا يعني أن هذا الأمر ينطبق علينا جميعاً. صحيح أن الأدلة الأصلية على أهمية أحماض الأوميغا-3 في الأسماك أتت من دراسات أُجريت على الإنويت، إلا أن نيلسن يصرّ «على أننا لا نستطيع الاعتماد عليهم في الخلاصات التي نستنتجها» لأنهم مختلفون جينياً.يضيف موضحاً: «ندرك أن تدني استهلاك أحماض أوميغا-3 مضر لنا». لكن ارتفاع استهلاكها قد لا يكون مفيداً أيضاً. «تشهد الأوساط العلمية راهناً جدالاً حامياً في هذا الشأن. لكن هذه المسألة ما زالت بعيدة تماماً عن الحسم»، وفق نيلسن.فوجئ نيلسن وزملاؤه حين لاحظوا أن التبدل الجيني الذي منح الإنويت حماية أيضية من الدهون أدى إلى قصر قامتهم. يوضح الباحث: «تساهم تركيبة الأحماض الدهنية إلى حد ما في ضبط إنتاج هرمون النمو البشري». نتيجة لذلك، حرم التبدل الجيني- الدهني الإنويت من نحو سنتمترين في طول قامتهم، علماً بأن هذا أحد أبرز التأثيرات في الطول التي نصادفها.صحيح أن تركيبتنا الجينية ثابتة إلى حد ما وقلما تشهد أي تبدلات، إلا أن بعض أجزاء الجينوم، كتلك المعنية بعملية أيض الأحماض الدهنية، تتفاعل على ما يبدو مع التأثيرات الغذائية. تُستعمل الأحماض الدهنية في عدد من عمليات الجسم، فضلاً عن أنها تشكّل عناصر أساسية في خلايا الدماغ. لذلك من الأهمية بمكان أن ينجح الجسم في ضبط إنتاجها بدقة.نظام غذائي
منذ دراسة نيلسن، أظهرت بحوث أجراها آخرون وشملت آسيويين يتبعون نظاماً غذائياً نباتياً أن إنتاج الأحماض الدهنية شهد تبدلاً في الاتجاه الآخر: تتيح طفرة جينية إنتاج كمية أكبر من الدهون غير المشبعة بغية التعويض على ما يبدو عن ندرة الدهون في الغذاء.خلال أكبر جزء من التاريخ، شكّلت الممْرِضات الحافز الرئيس وراء التبدلات في الجينوم البشري. لكن العلماء يعون اليوم أن توافر المواد الغذائية محلياً أدى إلى تبدلات جينية عدة. صحيح أن ما يغذي أنساناً واحداً يغذي البشر كلهم عموماً، وفق نيلسن، إلا أننا شهدنا عمليات تكيّف متخصصة في ظروف استثنائية. يضيف الباحث: «لم ندرك حتى اليوم وجود اختلافات جينية مماثلة. لذلك لا تزال دراستها في بدايتها. يبدو أن مجموعات السكان المختلفة مجهزة لأنظمة غذائية مختلفة». إذاً، قد لا يكون بعيداً اليوم الذي يحتاج فيه الناس إلى معرفة تركيبتهم الجينية بغية اختيار أفضل طريقة لتغذية جسمهم. تبدل كبير
حدث التبدل الأكثر أهمية في غذاء الإنسان مع انتقاله من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة وتربية المواشي بعد تدجينه الحيوانات. حتى اليوم، ما زالت القدرة على هضم سكر الحليب، واللاكتوز، (بعد مرحلة الطفولة) ترتبط باستمرار جينة إنتاج إنزيم اللاكتاز، علماً بأن كثيرين يخسرون هذه الجينة.تستمر جينة اللاكتاز خصوصاً لدى المتحدرين من أوروبا الشمالية، لأن القدرة على استمرار هضم الحليب كانت على الأرجح أساسية بالنسبة إليهم كي يتمكنوا من الصمود في فصول الشتاء الباردة حين تندر الأطعمة الأخرى. وتشير الأدلة إلى أن هذه الطفرة ظهرت قبل 4 آلاف سنة. تستهلك القبائل التي ترعى الماشية في شرق أفريقيا الحليب أيضاً. وأظهرت الدراسات ثلاث طفرات عززت كل واحدة منها تحمل اللاكتوز بطريقة مختلفة بينهم قبل 2700 إلى 6800 سنة. أما استهلاك الحليب في الهند وغيرها في مناطق آسيا، فيحدث عموماً بعد تخميره بالبكتيريا بغية تفكيك اللاكتوز.
شعوب الإنويت وحدها تستهلك كميات كبيرة من الدهون من الأسماك من دون أن تعاني عواقب السمنة
الباحثون يلاحظون اختلافات مذهلة في فاعلية الأجسام في معالجة أطعمة محددة
الباحثون يلاحظون اختلافات مذهلة في فاعلية الأجسام في معالجة أطعمة محددة