رحلة في عالم الوثائق الدبلوماسية ومعهد العالم العربي (الحلقة الثانية)

الوثائق الفرنسية باتت بعد الرقمنة في متناول الباحثين

نشر في 01-02-2024
آخر تحديث 31-01-2024 | 19:16
كانت الوجهة نحو ضواحي باريس، وبالتحديد مركز وثائق الأرشيف في وزارة الخارجية La Courneuve، هنا المكتبة الرقمية لتاريخ الدبلوماسية الفرنسية، والتي باتت في متناول اليد بعد إتمام مشروع الرقمنة للوثائق. افتتح منذ سنوات، وكان ثمرة تعاون وشراكة بين مكتبة غاليكا الرقمية وقاعدة بيانات الدولة ونظام التوثيق الجامعي. مشروع رقمنة الوثائق الدبلوماسية يتيح الوصول إلى 250 ألف وثيقة تتناول الفترة الزمنية من 1863 إلى 1972، وهي وثائق تختص برسائل السفراء وقوائم أعضاء السلك الدبلوماسي، إضافة إلى النشرات اليومية والدورية للصحافة. قمنا بجولة بهذا المركز بعد إجراءات التفتيش وتسجيل البيانات الخاصة بالزائر، وصعدنا إلى الدور الأول، قاعة مفتوحة تتوافر فيها أجهزة كمبيوتر وميكروفيلم تستطيع أن تطلب الوثائق والفترة الزمنية التي تبحث عنها، وكانت الكويت هي الموضوع الذي نسعى إليه، وجدنا عددا من الوثائق الخاصة بالعلاقات الكويتية - الفرنسية منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي، ومعظمها يأتي من قناصل وسفراء فرنسيين يعملون في مدن وإمارات الخليج وفي المغرب العربي.

عندما نتحدث عن الوثائق الوطنية الفرنسية فإننا نتحدث عن أربعة مراكز رئيسية، الأول وثائق الأرشيف الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية في إحدى ضواحي باريس La Courneuve والذي يعود إلى عام 1860، وافتتح عام 2010 للباحثين، ويتم إثراؤه سنويا بحوالي 5000 عنوان تقدر به 500 ألف مجلد بخلاف 3000 عنوان من المجلات والصحف.

تاريخ العلاقات الكويتية ــ الفرنسية في الخمسينيات يأتي من قناصل وسفراء يعملون بالمغرب العربي وإمارات الخليج

المركز الثاني ويسمى مركز الوثائق للدبلوماسية الفرنسية والواقع في مدينة Nantes وبالعربية «نانت»، ويضم وثائق المراكز الدبلوماسية والقنصلية وممثلي فرنسا في المنظمات الدولية، إضافة إلى الوثائق التي تنتجها الإدارات الفرنسية في الشرق الأوسط والمغرب العربي وتغطي قرونا كاملة من التاريخ الدبلوماسي.

اقرأ أيضا


صورة ضوئية عن وثيقة تاريخية فرنسية لها علاقة بالكويت صورة ضوئية عن وثيقة تاريخية فرنسية لها علاقة بالكويت

المركز الثالث وثائق وزارة الدفاع، والمركز الرابع وثائق رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات والواقع هذا الأخير في منطقة Pierfitte، ويخضعان لإجراءات مشددة جدا، أما الإفراج عن الوثائق نظرا لحساسيتها وصلتها بالأمن القومي والعسكري، وتحديدا صفقات الأسلحة والعقود التي يتم إبرامها والتقارير الدبلوماسية المرفقة معها، وهي في غاية الخطورة وتكشف الكثير من الحقائق المخفية عن الرأي العام.

يذكر أنه، حسب المعلومات التي سمعتها، فإن الإفراج عن الوثائق الدبلوماسية يتم كل 25 سنة باستثناء، في حين أن الوثائق العسكرية غير متوافرة إلا بعد 50 سنة وبحدود ضيقة جدا، وباستثناء ما له طابع عسكري ويمس أشخاصا ما زالوا أحياء.

معهد العالم العربي في عهدة شوقي بعد انتهاء ولاية لانغ الفرنسي

معهد العالم العربي منارة ثقافية

في قلب الدائرة الخامسة من باريس، والتي تطل على نهر السين وكنيسة نوتردام التاريخية، ينتصب مبنى ذو خصوصية معمارية على الطراز الإسلامي قام بها المهندس جان نوفيل، وهو الذي صمم متحف أبوظبي، تدخله من باحة واسعة وممر كتبت عليه عبارة «معهد العالم العربي» ذو الطوابق العشرة، وفي أعلاه مطعم دار ميما زرياب نسبة إلى الموسيقار العبقري صانع الوتر الخامس من العود والمظلوم من قبل بعض المؤرخين، بات مقصدا للزوار.

على مدخل المعهد الذي أنشئ عام 1987 تطالعك دعوة لزيارة معرض عطور الشرق، الذي يستمر من 26 سبتمبر 2023 الى 17 يناير الماضي، ويحكي قصة هذا التضافر بين العطور والعالم العربي مسلطا الضوء على تاريخها الطويل والمشترك وطبيعة الروائح التي ميزت هذه العلاقة، يمكن للزائر تصور هذه العلاقة بالتجول داخل القاعة الممتدة بالدور الأرضي، وفي رحلة تصل إلى أماكن مختلفة تبدأ بالطبيعة ثم تمر بأزقة المدينة لتصل أخيرا إلى البيت.

37 سنة من عمر المعهد ولا تزال الأسئلة مطروحة عن دوره

صعدنا الدور الثامن لموعد مسبق مع الرئيس جاك لانغ، (84 سنة)، وزير ثقافة سابق أيام الرئيس فرانسوا ميتران، لإجراء حوار قبل أن تنتهي مدة ولايته الثانية، ويأتي بديلا عنه الأديب والمثقف العراقي شوقي عبدالأمير، التقطنا الصور التذكارية في مكتب مفتوح يطل على معالم المدينة يصل إليه راجلا على قدميه، بعد أن يقطع مسافة مرورا بجسرين على نهر السين، وسألناه أولا عن الأسئلة التي تم إرسالها قبل أسبوع من تاريخه، وفوجئنا باعتذاره لعدم معرفته بذلك، واعدا بالرد عليها في أقرب وقت عن طريق مستشارة له تجيد اللغة العربية بعد أن قمنا بإعادة إرسالها والبريد الإلكتروني.

درج لولبي للكتب يلف 3 طوابق لمكتبة المعهد ويعلوها مطعم زرياب

الرئيس جاك لانغ، الذي تربع على عرش المعهد لسنوات، سبق له أن أصدر كتابا عن اللغة العربية بعنوان «اللغة العربية كنز فرنسا»، بالتعاون مع فيكتور سلامة، علما بأنه لا يتكلمها، سيكون مهموما هذه الأيام وهو يجمع أوراقه بالبحث عن موقع له يكمل فيه حياته المهنية والوظيفية.


كتيب عن مشروع رقمنة الوثائق الفرنسية كتيب عن مشروع رقمنة الوثائق الفرنسية

ونحن في طريقنا إلى مكتبة المعهد، والتي تشغل ثلاثة طوابق من المبنى، وفيها ثلاث قاعات، قمنا بجولة ميدانية للتعرف عليها، ترافقك سيدة تتحدث العربية قليلا، تشرح عن برج الكتب وهو عبارة عن درج لولبي استوحاه المصمم الفرنسي من تاريخ العمارة والثقافة عند العرب، تصحبك فيه الكتب صعودا ونزولا، وفي مكتبة تحوي حوالي 80 ألف كتاب وباللغات الفرنسية والعربية والانكليزية، نصفها باللغة العربية.

نشاط المعهد خارج فرنسا يقتصر على المشاركة في معرضين عربيين للكتب، الأول بالقاهرة، والثاني في كازابلانكا على مدار العام، وتتخلله مجموعة أنشطة من المحاضرات والندوات والمعارض في مقره الرئيسي.

الإفراج عن الوثائق الدبلوماسية بعد 25 عاماً و»العسكرية» بعد 50

كان بارزا الاهتمام بغزة وفلسطين، من خلال الكتب والإصدارات التي خصص لها ركن في معرض عطور الشرق، احتلت الكويت جزءا متواضعا في المكتبة أخذت الرقم 561 بالتصنيف، بحيث تجد كل الموضوعات ابتداء من هذا الكود، وهناك عدة مجموعات من الإصدارات حول التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية والأدب والشعر وخلافه، يمكن للمهتم معرفة عناوين الكتب دون التمكن من مطالعتها أو الحصول عليها.

بعد الجولة الميدانية جلسنا بالمقهى الموجود في مبنى المعهد، وعلى وقع صوت فيروز وأغانيها الجميلة كانت وجبة الغداء الكسكسي المغربية تترنح على الطاولة مع أصوات عربية اختلطت فيها اللهجات المحكية بالفرنسية، بحيث يصعب عليك التمييز بينهما.

مشاركة المعهد في معارض الكتب تقتصر على القاهرة وكازابلانكا

وقبل أن نأخذ طريق الخروج وسط ساحة متسعة تكسوها الثلوج كانت الأسئلة تطاردنا، هل قام معهد العالم العربي بدوره المأمول؟ هل تمت إدارته بصورة عادلة لا تمييز فيها بالتوظيف؟ وماذا ترك من تأثير في المجتمع الفرنسي ومجتمعات الجاليات العربية الإسلامية؟ وهل نجح في توظيف قدراته المالية والإدارية في إظهار وإشراك الثقافة العربية بالشأن الفرنسي؟

يبدو أن البعض يعقد آمالا على الرئيس القادم، فلربما خبرته وثقافته العربية والفرنسية وإلمامه بشؤون المعهد قد تساعده في النهوض به من جديد بعد أن بلغ الـ37 عاما من عمره المديد.

لماذا؟

• يغلق أبوابه يوم الاثنين، علما بأنه أول أيام الأسبوع في عموم فرنسا.

• مجموعات الكتب التي يضمها محدودة ومشاركته في المعارض العربية تقتصر على اثنين فقط، واحد بالقاهرة والثاني بالمغرب، في حين أن هناك عشرات المعارض في مدن عربية وخليجية يغيب عنها.

back to top