حراس الثقافة وحفظة التراث
الثقافة ليست متحفاً تعلق على جدرانه صور الأجداد ثم يوصد بابه عند المغيب، هي أوطان تسكننا في تفاصيل صغيرة، في كلمة كان يقولها الأجداد، وفي أغنية يرددها صوت عريق، وفي رائحة بخور تعبر البيت استعداداً لمناسبة، وفي إيقاع بحري كأن أمواجه ما زالت تحمل دعوات الأمهات لرد الغائبين.
أريد أن أقف في هذا المقال وقفة تقدير أمام كفاءات كويتية آمنت بأن نقل الثقافة أمانة، وبأن التراث ليس حنيناً مرهفاً إلى ما مضى فحسب، بل مشروع واع لما سيأتي ولمن.
مبادرة «ترى» لمؤسستها الأستاذة/ دلال الدايل، والمعنية بتوثيق التاريخ الشفهي لدولة الكويت، وجمع الروايات الشخصية والشهادات الحية التي تحفظ تجارب أهلها وما مر بالمجتمع من تحولات عبر الأجيال، تعيد فيها الحدث نبضه، وإلى الزمن ملامحه. ونستذكر هنا الأمسية البحرية التي نظمتها في متحف الفن الحديث في 7 أكتوبر 2026، حيث رأينا أن البحر ليس جغرافيا تطوق دولة الكويت، بل هو سيرتها الأولى وتاريخها العريق. وحين صدحت فرقة حمد بن حسين بالفنون البحرية، شعرنا من أصوات النهامين بأن الأجيال المجتمعة في المكان كانت تتصافح عبر الزمن.
وعلى ضفة أخرى من المشهد، يواصل برنامج «صباح الخير يا كويت» على شاشة تلفزيون الكويت دوره في تقديم محتوى اجتماعي وثقافي هادف. وقد تشرفت بأن أكون ضيفة في هذا البرنامج في 21 أكتوبر 2026، متحدثة عن الترجمة وأهميتها في الثقافة. حين نترجم الثقافة الكويتية، فإننا نحمل أمانة تتجاوز العثور على المفردة المقابلة لأن كلماتنا تحتفظ بملامح بيئة كاملة، وبعض أمثالنا تختزن تجربة طويلة، وبعض فنوننا يحتاج إلى شرح يقرب ظروف نشأته ودلالاته. فإذا كانت مبادرة «ترى» تحفظ الذاكرة من النسيان، فالترجمة تمنحها جواز سفر إلى العالم.
واستكمل البرنامج إبداعاته بتنظيم حلقة عن العرس الكويتي في 22 أكتوبر 2026، إذ لم يكن ذلك ترفاً بصرياً ولا استعراضاً للزينة، بل طقوس تضمنت أهازيجه وأزياءه وعاداته وتقاليده، مركزا على فلسفة مجتمع يرى الفرح شأناً جماعياً، ويرى في الجيرة والقرابة امتداداً للبيت. هنا الإعلام تجاوز وظيفة الإخبار إلى وظيفة التنشئة، وكأنه يتعهد بنقل الثقافة والتراث إلى الجيل الجديد.
حين أرى كفاءات كويتية تمنح من وقتها ومعرفتها وشغفها لتعيد لهذه التفاصيل حضورها، أشعر بشيء من الطمأنينة لأن الالتفات إلى الهوية الكويتية ضرب من الوفاء يستحق أن يروى ويوثق.
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية