بوابة الاعتراف (4): وماذا لو استغل أحدهم ذلك؟

نشر في 20-10-2026
آخر تحديث 19-10-2026 | 17:58
 عواطف السلمان

كلما قلتُ إن الاعتراف بالإنسان يسبق طلبه، جاءني السؤال نفسه: وماذا لو استغل أحدهم ذلك؟ ولا أستخف به. فمَنْ حمل أمانة المال العام يعرف أن ما يُؤخذ بغير حق يُحرم منه صاحب حق. لكن الخوف إذا طال، كُتب، وإذا كُتب، صار نظاماً. والنظام لا يتذكَّر لماذا خاف. تأمل استمارةً كانت صفحة. احتال رجلٌ فأُضيف حقل، ثم آخر فطُلب مستند، ثم شهادة، ثم تصديق عليها. حتى صارت أربع صفحات، كل حقلٍ فيها كتبه محتالٌ واحد، ويملؤه ألفُ بريء. ولم يُحذف حقل قَط. فالمؤسسة تحفظ اسم مَنْ خدعها، لا اسم مَنْ أعادته الصفحة الثانية إلى بيته. وهنا فرقٌ ينبغي ألا نضيعه: الاعتراف بالإنسان ليس موافقةً على طلبه. أن تراه لا يعني أن تمنحه ما يُريد، بل أن تُقر بمكانته، وتنظر في أمره بعدل. وقد يكون الجواب رفضاً، من دون أن يكون في الرفض إهانة. فثمة فرق بين إنسانٍ سُمعت حكايته ثم قِيل له لا، وآخر قِيل له لا قبل أن يُسمع، وإن تشابه الجوابان في الورق. والمحاسبة لا تنقض الاعتراف. مَنْ زور حُوسب، ومَنْ أخذ ما ليس له رُد. فالمساءلة تقع على الفعل، لا على قيمة الإنسان. بل إن محاسبته اعترافٌ به بوصفه فاعلاً مسؤولاً. لكن ماذا يحدث حين نجعل الريبة أول ما يستقبل الناس؟ المُحتال يعرف كيف يعبر الاستمارات، ويُحسن جمع الأوراق. فالاحتيال نفسه مهارة، ومَنْ ملكها ملك ما تطلبه الاستمارة. بينما تقف أمٌ لا تملك وثيقة، أو رجلٌ لا يُحسن شرح حاجته، أمام خانةٍ لا يعرف كيف يملؤها. فيعودان. لا لأن حاجتهما لم تكن حقيقية، بل لأن الطريق إلى إثباتها كان أطول من قدرتهما على المشي فيه. وهكذا تنجح المؤسسة في إغلاق بابٍ على مُحتال، وتغلق معه أبواباً على أُناسٍ لم يحتالوا قَط. وتُحصي ما منعته من حيلة، ولا تُحصي ما منعته من حق. ولسنا مخيَّرين بين أن نحرس المال العام وأن نصون كرامة الناس، إنما نحن مخيَّرون في موضعٍ واحد: أين يقف الشك. أنضعه عند الباب، فيُصيب مَنْ لا حيلة له قبل أن يقول شيئاً؟ أم نضعه بعد الفعل، فيُصيب مَنْ فعل؟ فالتحقق يحمي الحق حين يكون عادلاً، ويحجبه حين يصير امتحاناً لا يجتازه إلا مَنْ يُحسن تقديم نفسه. والعدل أن نعرف كيف نمنع الحيلة من دون أن نجعل الإنسان يدفع ثمن خوفنا منها.

back to top