من صيد الخاطر: حبة القمح التي أودت بصاحبها
حُكي قديماً عن مهراجا هندي عاش في عز ونعيم، وجاه وسلطان، لم يكن ينقصه شيء من مباهج الدنيا وملذاتها، ومع مرور السنين أحسّ بالملل، وأراد وسيلة تسلية جديدة تلهيه عن الضجر الذي يشعر به، فأعلن عن جائزة مجزية لمن يبتكر له لعبة تستطيع أن تُشغِل عقله وتستحث تفكيره وتلهيه في وقت فراغه.
تقدّم عالم عبقري يُدعى شيرام الى المهراجا بلوحة خشبية مقسمة إلى 64 مربعاً، ومعها قطع من العاج نُحتت بعناية تُمثّل الملك وجيشه وفرسانه، وسماها لعبة الشطرنج. أُعجب بها المهراجا، فقد وجد فيها متعة جديدة، ففيها تحدٍّ ودهاء وتخطيط.
استدعى المهراجا شيرام، وقال له: لقد أسعدتني بلعبتك هذه سعادة لم أشعر بها من قبل، فاطلب ما تشاء من جواهر وذهب، أو ما شئت من أراضٍ.
الداهية شيرام قال بتواضع: مولاي، أنا رجل زاهد لا رغبة لي في مال ولا في جاه، ولكني لا أطلب إلّا حبة قمح واحدة توضع في المربع الأول من رقعة الشطرنج هذه، ثم توضع مضاعفاتها في بقية مربعاتها الـــ 64.
تعجب الملك من بساطة طلبه، وقال له: يا لك من رجل أحمق! أمنحك الفرصة لتطلب المال والجاه فتستبدلهما بحبات معدودات من القمح؟ اذهب إلى كبير الحُسّاب في قصري، وخذ منه قمحك.
خرج الماكر شيرام مسرعاً إلى المحاسب قبل أن يغيّر المهراجا رأيه وقد علت وجهه ابتسامة غامضة، وفي المساء، تذكّر المهراجا أمر صاحب حبة القمح، فسأل سكرتيره: هل أعطيتم ذلك الأحمق قمحَه؟ فردّ السكرتير بارتباك: إن حُسّاب القصر والرياضيين ما زالوا يعملون منذ الصباح على حساب الكمية المطلوبة.
استغرب المهراجا، فقد ظن أن الكمية لن تتجاوز «مُدّاً» من القمح، وهو ربع الصاع، فاستدعى رئيس الحُسّاب ليوضح له الأمر، دخل المسكين عليه وهو زائغ العينين شاحب الوجه، فسأله المهراجا باستنكار: كيف عجز أذكى الحسّابَة عندي عن معرفة عدد حبات قمح على رقعة شطرنج؟ فرَدّ وهو يرتجف: لقد أتممنا الحسبة للتو، ولكن لا يوجد على وجه الأرض من يستطيع توفير هذا المقدار من القمح.
صُدم المهراجا، وقال: ما هذا اللغو؟ عندها نشر كبير الحُسّاب رقعة الشطرنج أمامه، وقال: يا مولاي، إذا وضعنا في المربع الأول حبة واحدة من القمح، فسنضع في الثاني حبتين، وفي الثالث 4، وفي الرابع 8، ولكن عندما نصل إلى المربع الرابع والستين فسيكون عدد حبات القمح المطلوبة هو: 18.446.744.073.709.551.615، أي ثمانية عشر كوينتيليوناً وأربعمئة وستة وأربعين كوادريليون حبّة قمح، ثم أكمل موضحاً للمهراجا المذهول: إنها كمية من القمح لا يستطيع العالم كله توفيرها. أُسقِطَ بيد المهراجا، فهو لن يستطيع الوفاء بوعده لشيرام، الذي خدعه بدهائه، فما كان منه إلّا أن أمر بالتخلص منه، وهكذا أودت حبّة قمح بصاحبها.
الحكاية من نسج الخيال، لكنّها طريفة، وهي مقتبسة بتصرُّف من كتاب لعالم الفيزياء جورج جاموف، فهو الذي حسب الأرقام، وهو مَن سمّاها.