بوابة الاعتراف (3): حين تعجز المؤسسة عن الرؤية

نشر في 13-10-2026
آخر تحديث 12-10-2026 | 17:59
 عواطف السلمان

في آخر كلّ عام تقريرٌ أنيق، وفيه سطرٌ يطمئن: نسبة الرضا أربعٌ وتسعون في المئة. تُعرض الشريحة، ويُصفَّق، ثمّ يُطوى الملف. ولا أحد يسأل: أربعٌ وتسعون في المئة ممّن؟ ممّن أجابوا. أمّا الذين لم يجيبوا فلا يدخلون البسط ولا المقام. يخرجون من الحساب مرّتين: مرّة حين لم يصلوا، ومرّةً حين صار غيابهم دليلاً على رضاهم. قلتُ الأسبوع الماضي إنّ البوّابة الحقيقية هي التي تُفتَح لمن لا يطرق. فكيف نعرف أن بوابتنا كذلك؟ لن نعرف بالطريقة التي نقيس بها الآن. فنحن حين نقيس الرضا نسأل الإنسان: هل كنتَ راضياً؟ هل وصلك ما تحتاج؟ هل عوملتَ بكرامة؟ ونحن بهذا نحمّله عبء الشهادة على ما جرى له. نطلب ممّن لم يستطع أن يطرق الباب أن يملأ استبياناً عن الباب. ومن لم يصله شيء لا يجد في الاستبيان خانةً تسعه. والسؤال الأسبق ليس موجّهاً إليه، بل إلينا: هل كنّا قادرين على أن نراه؟ هنا ينقلب موضوع القياس. لا يعود الإنسان هو موضع الاختبار، بل المؤسسة. وحين نفعل، يتبدل معنى الخذلان نفسه. فأن تخذل مؤسسةٌ إنساناً ليس قسوةً بالضرورة، ولا سوء نيّة، ولا قراراً اتّخذه أحد. إنّه عجز. ونحن لا نقول عن جسرٍ سقط إنه كان قاسياً. نسأل: أين كان الخلل، وما الذي لم يُحسب في التصميم. والمؤسسة التي لا يظهر فيها الصامتون فيها خللٌ في التصميم، لا في أخلاق العاملين بها. والعجز ليس تهمةً أخلاقية، إنّه حالة تُشخَّص. له علامات تُقرأ، ودرجات تتفاوت، وأسباب تُعرف. ومن كان عاجزاً عن أداء واجبٍ عليه، فأوّل ما يلزمه أن يعرف أنّه عاجز. فالمؤسسة العادلة ليست التي لا تُخطئ، فكلّ نظام يترك في ظلّه أحداً، بل التي بُنيت بحيث يُكتشف خطؤها ويُصحَّح. فيها بابٌ للمراجعة لا يحتاج إلى من يطرقه، ويظهر الغائب في سجلّها من غير أن يُطالَب بالظهور، ويكون الصمت فيها سؤالاً يُفتَح لا جواباً يُغلَق. وهنا ينبغي أن نميّز بين ما لا يُقاس وما يُقاس. فالكرامة لا تُقاس. ليست رقماً يزيد وينقص، ولا تمنحها المؤسسة حين تنجح وتسلبها حين تفشل. هي للإنسان قبل أن يعرفه أحد، وتبقى له وإن لم يعرفه أحد. أمّا الذي يُقاس فشيءٌ آخر: هل بَنَت المؤسسة ما يجعل رؤيته ممكنة؟ وهل استطاعت أن تصل إلى من لم يستطع الوصول إليها؟ نحن لا نقيس كرامة الناس. نقيس كفاية الشروط التي تجعل رؤيتهم ممكنة. ومن لا تراه المؤسسة لا يصير غير موجود. إنّما يصير عجزها عن رؤيته هو ما يُسجَّل.

back to top