المسار: التنمية... بين الخطة والتنفيذ

نشر في 13-10-2026
آخر تحديث 12-10-2026 | 17:56
 د. بدر عثمان مال الله

لا نفتقر إلى الخطط التنموية، ولا إلى الخبرات القادرة على إعدادها، ولا إلى الموارد التي تسمح بتنفيذها. ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: لماذا لم يتحوَّل التخطيط التنموي إلى مسار مستدام يطوِّر بنية الاقتصاد والمجتمع والإدارة؟ 

المشكلة، في جوهرها، ليست في كتابة الخطة، بل في القدرة على تحويلها إلى فعلٍ متراكم ونتائج قابلة للقياس. أولى المشكلات هي ضعف الاستمرارية. فالتنمية بطبيعتها مشروع طويل الأجل، فيما الأولويات والبرامج والهياكل الإدارية تتغيَّر بوتيرة أسرع من دورة التنمية. وكلما تغيَّرت الأولويات، أُعيد ترتيب الأهداف، وتراجعت بعض المشاريع، وبدأت أخرى من جديد. وهكذا تفقد التنمية أهم عناصرها؛ التراكم. 

وثانيها الفجوة بين التخطيط والميزانية. فلا يكفي أن تحدد الخطة ما نُريد تحقيقه، بل يجب أن ترتبط كل أولوية بالموارد اللازمة لتنفيذها، وببرنامج زمني، ومسؤول محدَّد، ومؤشرات تقيس النتائج. أما عندما تُصبح الخطة مساراً والميزانية مساراً آخر، فإن الأولويات التنموية تفقد قوتها عند أول اختبار عملي. 

وثالثها تجزؤ العمل التنفيذي. فالاقتصاد لا يعمل وفق حدود الوزارات، والتنمية لا تعرف الجزر الإدارية. إصلاح التعليم يؤثر في سوق العمل، وسوق العمل يؤثر في الإنتاجية، والإنتاجية ترتبط بالاقتصاد، والاقتصاد يحتاج إلى إدارة تنفيذية تعمل كفريق. لكن عندما تعمل كل جهة وفق أهدافها الخاصة، تُصبح كل وزارة منشغلة بجزء من الصورة، فيما تغيب الصورة الكاملة. 

وهناك مشكلة أخرى تتمثل في التركيز على المشاريع أكثر من النتائج. فقد أصبح من السهل قياس عدد المشروعات التي أُنجزت، وقيمة الإنفاق عليها، ومساحاتها ومبانيها، لكن التنمية الحقيقية تُقاس بما أحدثته هذه المشروعات من تغيير في الإنتاجية، وفي جودة التعليم، وفي تنافسية الاقتصاد، وفي فرص العمل، وفي كفاءة استخدام الموارد. فالمشروع وسيلة، وليس غاية. كما أن ضعف المتابعة أضعف قيمة التخطيط. فالخطة التي لا تحدد بوضوح مَنْ المسؤول عن كل هدف، ومتى يجب إنجازه، وكيف تُقاس نتائجه، ومَنْ يحاسب عند عدم تحقيقه، تتحوَّل تدريجياً من أداة لإدارة التنمية إلى وثيقة مرجعية لا تملك قوة التنفيذ. 

وفي التنمية، ما لا يخضع للقياس والمساءلة يصعب أن يتحوَّل إلى إنجاز مستدام. والأهم أن التخطيط ظل في كثير من الأحيان عملاً تنفيذياً أكثر منه مشروعاً وطنياً متكاملاً. فالتنمية الحديثة تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمالية والمجتمع المدني. 

الدولة تضع الاتجاه، وتبني البيئة الممكنة، والقطاع الخاص يستثمر وينتج، والتعليم يبني الإنسان، والمؤسسات المالية توفر التمويل، والمجتمع يشارك في صناعة الأولويات. لذلك، فإن إصلاح التخطيط التنموي لا يحتاج بالضرورة إلى خطة جديدة كل مرة، بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الخطة والتنفيذ. 

نحتاج إلى عدد محدود من الأولويات الوطنية، وبرامج واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومسؤوليات محددة، ومراجعة دورية، وربط الإنفاق بالنتائج، واستمرارية تتجاوز الأشخاص والمراحل. 

لقد أثبتت التجربة أن إعداد الخطة هو الجزء الأسهل من عملية التنمية. أما التحدي الحقيقي، فهو أن تُصبح الخطة منظومة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرَّد وثيقة. فالتنمية لا تتعثر عندما تكون الخطة ضعيفة فقط، بل عندما تكون هناك فجوة بين ما يُخطط له وما يُنفَّذ.

back to top