المعلم... نبراس العلم في طريق العتمة
«قُم للمعلم وفه التبجيلا... كاد المعلم أن يكون رسولا».
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يُحتفى باليوم العالمي للمعلمين، إحياءً لذكرى اعتماد توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو لعام 1966، والتي تتعلَّق بحقوق ومسؤوليات المعلمين، ومعايير إعدادهم الأولي، وتدريبهم اللاحق، واستقدامهم وتوظيفهم، وظروف التعليم والتعلم.
في هذا اليوم يقف العالم وقفة إجلال لمَنْ يتركون في العقول والأرواح أثراً من عسجد، ويُحوِّلون الحروف المتناثرة إلى وعي، والوعي إلى قيمة، والقيمة إلى سلوك. هم مَنْ يرون في الطفل ما لا يراه الطفل في نفسه، فيوقظ فيه السؤال، ويعلمه أن الاستفسار طريق إلى اليقين، وأن الخطأ ليس عيباً، بل درجة في سلم النضج.
وفي زمنٍ تتسارع التقنيات، ويُزاحم فيه الذكاء الاصطناعي العقل البشري في كثيرٍ من مهامه، يغدو دور المعلم أعمق لا أضعف، إذ يبقى وحده القادر على غرس الحس الأخلاقي، وتنمية التفكير النقدي، وصون الهوية، وبناء التعاطف الذي لا تنتجه الخوارزميات. فالآلة تجيب، أما المعلم فيعلم كيف نسأل.
إن تكريم المعلم يكتمل بصون حقوقه التي تكفل له أداء رسالته بكرامةٍ واطمئنان، ومن أبرزها: الحق في بيئة عمل آمنة تحميه من الاعتداء اللفظي والجسدي، وتصون هيبته داخل الصف وخارجه، وحقه في أجرٍ عادل يتناسب مع جسامة المسؤولية، ويُغنيه عن الانشغال بهموم العيش. وضرورة التطوير المهني المستمر، ومواكبة المستجدات التربوية والتقنية، والحق بالمشاركة في صُنع القرار التربوي ورسم السياسات التعليمية. كما يُفترض أن يحصل على التقدير المجتمعي الذي يُعيد للمهنة مكانتها في نفوس الناس، وتخفيف الأعباء الإدارية عن المعلمين، ليتفرَّغوا لجوهر رسالتهم التربوية والاستثمار في برامج تدريبية نوعية، لا سيما في مجالات التحوُّل الرقمي والذكاء الاصطناعي في التعليم. كما يجب تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة، وترسيخ ثقافة احترام المعلم في الإعلام والخطاب المجتمعي، وأخيراً العناية بالصحة النفسية للمعلمين، وتوفير برامج دعم تقيهم الاحتراق الوظيفي.
فلنجعل من هذا اليوم عهداً لا ذكرى، ومن الكلمات أفعالاً، ومن الامتنان سياسات تحفظ للمعلم مكانته، كي لا ينطفئ الضوء في أيدينا. فالمعلم إنسان يتألَّم، وقد يحمل تعب يومه إلى أُسرته. والإنصاف يقتضي وجود قنوات واضحة للشكاوى والتظلمات، تضمن سماع جميع الأطراف، والتحقق من الوقائع وحماية الخصوصية. كما تقتضي المساءلة المهنية أن تكون عادلة وموضوعية، تحفظ حقوق الطالب والمعلم معاً.
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية