بوابة الاعتراف: الذين لا يطرقون الباب
في بهو كل مؤسسةٍ صندوقٌ صغير للشكاوى. ورقةٌ وقلمٌ وفتحةٌ ضيِّقة، وتحتها عبارةٌ مهذَّبة: رأيك يهمّنا. ثم يُفتَح آخر الشهر، وتُحصى الأوراق، ويُرفَع تقرير. وتبدو الصورة مكتملة. لكن الصندوق لا يقول شيئاً عن الذين لم يكتبوا. لا عن الأمّ المُسنَّة التي وقفت ولم تعرف ماذا تكتب، ولا عمَّن كان الوصول إلى المكتب أصعب من الشكوى، ولا عمَّن جرَّب مرَّةً فلم يصله جواب، ففهم الصمت جواباً. ولا عن ذاك الذي يجلس في آخر القاعة كلَّ يوم، لا يطلب شيئاً، ولا يُسأل عن شيء. هؤلاء ليسوا راضين. هم فقط غير موجودين في الورق.
كتبت في الأسبوع الماضي: إن من أقسى ما يُصيب الإنسان أن يبقى في المكان ولا يُرى. وهذا وجهه الثاني: أن يبقى فيه ولا يُحصى. نظنّ أن أبوابنا مفتوحة لمَنْ أراد. والحقيقة أننا علَّقنا الاعتراف على شرطٍ لم نصرِّح به: أن تكون قادراً على طلبه. فالباب المفتوح لا يعني أن الطريق إليه مفتوح. وبين الإنسان والباب خوفٌ، أو أمية، أو إعاقة، أو فقر، أو سنوات تعلّم فيها أن صوته لا يغيِّر شيئاً. ثم نقف عند الباب، ونسأل: لماذا لم يأتِ؟ مَنْ استطاع الوصول رأيناه، ومَنْ أحسن الشكوى أحصيناه. أما مَنْ لم يستطع، فلم نطرده، بل فعلنا ما هو أخفى: لم نره أصلاً. وفرقٌ بين أن تُغلق الباب، وأن تتركه مفتوحاً لمَنْ يقدر وحده على المشي إليه. والثاني أقسى، لأنه يبدو عدلاً. وأشد ما في الشرط أنه ينقلب على نفسه. فكلما ازداد الإنسان حاجةً إلى أن يُرى، ضعفت قدرته على أن يطلب. فالمريض في أوهن أيامه أخفتُ الأصوات، والمكسور في أشد لحظاته أبعدُ الناس عن المكتب. فيصير أحوجُ الناس إلى الاعتراف أعجزَهم عن بلوغه. وبعد سنواتٍ في الميدان، أرى أن المكانة ليست أجراً لمَنْ أحسن المطالبة. والاعتراف الذي يشترط الطلب قبل أن يُرى الإنسان أقربُ إلى مكافأةٍ على القدرة منه إلى اعترافٍ به. ولستُ أدعو إلى أن نتكلَّم عن الناس بدلاً منهم، فذاك محوٌ بوجهٍ آخر.
الصوت لصاحبه، والطلب حقّه، والرفض حقّه. فثمة فرقٌ بين أن نُصغي إلى الإنسان حين يتكلَّم، وألا نراه إلا حين يتكلَّم. أن تكون لك مكانة لا يتطلَّب منك لغةً تُتقنها، ولا شكوى تُحسن صياغتها، ولا وعياً بحقك. يكفي أنك إنسان، وأنك قابلٌ لأن تُجرَح، وأن تُهمَل، وأن تُقصى. وما منَّا أحدٌ خارج هذا. وهذا وحده يُنشئ لك مطالبةً بالاعتراف، قبل أن تفتح فمك، وقبل أن تعرف أن لك ما تطالب به. يقولون: «مَنْ قرع الباب ولج». وهذا أضعف ما يُقال في وصف مؤسسة. أما البوابة الحقيقية، فهي التي تُفتَح لمَنْ لا يطرق.