المسار: مذكرات بحَّار... ملحمة محمد الفايز
حين خلَّد هوميروس اليونان القديمة في «الإلياذة» و«الأوديسة»، لم يكن يُؤرِّخ لحروب وأبطال فقط، بل كان يحوِّل الذاكرة إلى ملحمة، والإنسان إلى أثرٍ لا يمحوه الزمن. وفي تراثنا الكويتي، تقف «مذكرات بحار»، للشاعر والأديب الكبير محمد الفايز، شامخة، بوصفها ملحمة البحر والإنسان، ملحمة لم تكتب تاريخ الغوص بالكلمات وحدها، بل كتبته بالملح والعرق والخوف والانتظار، وبذلك الإنسان الذي كان يخرج إلى البحر ولا يعرف إن كان سيعود منه. وإذا كانت الأمم تحفظ تاريخها بالكُتب والمتاحف، فإن الكويت تملك في «مذكرات بحار» متحفاً شعرياً حياً، كل بيت فيه شراع، وكل موجة فيه ذاكرة، وكل غواص غاب في القاع ترك وراءه لؤلؤة لا تلمع في الأعين، بل تلمع في ذاكرة وطن.
يأخذنا الفايز إلى زمن لا يحتاج فيه البحر إلى وصف، لأنه كان حياة كاملة. يسأل البحار، وكأنه يسألنا نحن الذين جئنا بعده: «أركبت مثلي البوم والسنبوك والشوعي الكبير؟ أرفعت أشرعة أمام الريح في الليل الضرير؟ هل ذقت زادي في المساء على حصير؟»... أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تحمل مسافةً هائلة بين مَنْ عاش التجربة ومَنْ يرويها بعد أن أصبحت تاريخاً. فالخبز القليل، والحصير، والليل، والريح، لم تكن مجرَّد تفاصيل، بل كانت مفردات حياة كاملة. ثم يهبط الفايز بنا إلى القاع، حيث لا شيء سوى غواص يواجه الموت وجهاً لوجه، «هل طاردتك اللخمة السوداء والدول العنيد؟ وهل انزويت وراء هاتيك الصخور؟»... هنا يتحوَّل البحر من فضاءٍ للجمال إلى فضاءٍ للاختبار، ويُصبح الغوص مواجهة بين جسد الإنسان واتساع المجهول. لذلك تأتي العبارة كصرخة مكتومة، «هل ذقت العذاب؟ مثلي وصارعت العباب؟»، لكن المفارقة الأشد وجعاً أن كل هذه المعاناة كانت تنتهي أحياناً إلى جوهرة تتزين بها رقبة لا تعرف شيئاً عن يد الغواص التي انتزعتها من ظُلمة القاع: «أمسكت مفلقة المحار في الفجر مرتجفاً، لتكتمل القلادة في عنق جارية تنام على وسادة ريشية في حضن سيدها».
وراء بريق اللؤلؤ كان هناك إنسان يدفع من جسده وعُمره ثمناً لذلك البريق. وهكذا يجعل الفايز من اللؤلؤ رمزاً للمفارقة الكبرى، ما يبدو ثميناً فوق الأرض قد يكون وراءه عذاب لا يُرى في الأعماق.
غير أن البحر عند الفايز ليس مأساة خالصة. ففي وسط الضياع يخرج الأمل من قلب المحنة، «البحر أجمل ما يكون لولا شعوري بالضياع، لولا هروبي من جفاف مدينتي الظمأى وخوفي أن أموت». البحر هنا ليس مكاناً فقط، إنه قدر ووطن وذاكرة، بل هو الوجه الآخر لمدينة كانت تقاوم الجفاف. ومن هذه القسوة يُولد الإيمان بالمستقبل، «آمنت أن غداً سيُشرق في بلادي، والحياة ستدب حتى في الرمال». وكأن الفايز يرى، من قلب ذلك الماضي الشحيح، الكويت التي ستأتي ذات يوم، حاملةً معها نهاراً لم يكن البحَّار يعرف كيف سيكون، لكنه كان يؤمن بأنه سيأتي.
إن «مذكرات بحار» ليست قصيدة عن الغوص، بقدر ما هي ملحمة عن الإنسان الذي يصنع مستقبله وهو يقاوم قسوة حاضره. ولعل أعظم ما فيها أنها لم تسمح لأولئك البحارة أن يتحوَّلوا إلى أسماء في كتاب تاريخ، إذ منحتهم أصواتاً وأحلاماً ووجعاً، وأبقتهم أحياء في الذاكرة. وحين يقول الفايز: «بحاري نحن لا نموت، ولكن نتوارى تحت الثرى»، فإنه لا يرثي البحارة بقدر ما يعلن انتصارهم على النسيان. فقد غابوا عن البحر، لكن البحر لم يغب عن الكويت. وظل شعر الفايز شاهداً على زمن كان فيه الوطن يُبنى من عزيمة الإنسان، ومن قلوب رجال عرفوا أن الحياة لا تمنح لؤلؤها إلا لمَنْ يجرؤ على النزول إلى أعماقها.