المسار: التعليم... البوصلة ضرورية
الإصلاح التربوي ضرورة لا خلاف عليها، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوَّل الإصلاح من مشروعٍ مؤسسي طويل النَّفس إلى سلسلة من القرارات المتلاحقة التي تسبقها الرغبة في إعلان الإنجاز، ولا تسبقها بالقدر نفسه دراسة آثار القرار واستعداد الميدان لتنفيذه.
التعليم ليس قطاعاً إدارياً يمكن تغيير قواعده بقرارٍ سريع، إنه منظومة بشرية تتطلَّب الاستقرار، والتدرُّج، والتخطيط، وبوصلة تُحدِّد الاتجاه.
القرار التربوي الجيد لا يُقاس بسرعة صدوره، بل بمدى اكتمال عناصره قبل صدوره. وحين تُستحدث مسارات أو مناهج أو أنظمة جديدة، ثم يُطلب من المدارس والمعلمين تنفيذها في وقتٍ قصير، فإن المشكلة لا تعود إلى القرار وحده، بل في هندسته: هل أُجريت التجارب الكافية؟ هل أُعد المُعلِّم؟ هل وفرت الكُتب والأدلة؟ هل أُبلغت الإدارات المدرسية في الوقت المناسب؟ وهل استُمع إلى رأي المختصين الذين سيحملون القرار إلى الصف؟ الإصلاح الحقيقي يبدأ من الميدان، لا من المكاتب. فالمعلِّم ليس منفذاً آلياً للسياسات، لكنه شريك في صناعة التعليم. والتوجيه الفني ليس مجرَّد حلقة إدارية، وإنما مصدر للخبرة المتراكمة التي ينبغي أن تكون جزءاً من عملية صُنع القرار.
وكل إصلاح يتجاهل المعرفة الموجودة داخل النظام التعليمي قد يكتشف بعد التطبيق أن الفكرة كانت صحيحة، لكن توقيتها أو أدوات تنفيذها لم تكن كذلك. ومن هنا تبدو قضية الموارد البشرية أكثر حساسية. فإذا كانت الجهة المسؤولة عن التعليم تتحدَّث عن فائض في بعض التخصصات، فيما تعلن بالوقت نفسه حاجتها إلى معلمين في تخصصات أخرى، فإن السؤال التربوي ينبغي ألا يكون فقط: كم سنوفر؟ بل ماذا سنخسر؟
الخبرة التعليمية أصل مؤسسي، والمُعلِّم الذي أمضى سنوات في التدريس والتطوير والتعامل مع الطلبة والمناهج لا يمكن اختزاله في بند راتب. وإذا خرجت الخبرات من النظام، ثم احتاج النظام إلى إعادة استقطاب كوادر جديدة، فإن الوفر المالي الظاهر قد يُخفي تكلفة تربوية ومؤسسية أكبر.
والأخطر أن عدم الاستقرار المستمر ينعكس على المدرسة نفسها. فالمُعلِّم الذي لا يعرف ما الذي سيُطبَّق غداً، والمدير الذي تصله التعليمات في اللحظة الأخيرة، والطالب الذي يبدأ عاماً دراسياً وسط تغييرات غير مكتملة، جميعهم يدفعون ثمن ضعف التخطيط.
الاستقرار ليس ترفاً إدارياً في التعليم، لكنه شرط أساسي لجودة التعلُّم. كما أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح من دون تقييم مستقل لنتائجه. فلكل قرار تعليمي تكلفة وفرصة ومخاطر ومؤشرات نجاح. وما لم تكن هناك آلية واضحة لقياس هذه النتائج، يُصبح من السهل الخلط بين صُدور القرار ونجاحه، وبين كثرة النشاط الإداري وحدوث التحسُّن التربوي.
نحن بحاجة إلى إصلاح بنموذج جديد يُعيد بناء الثقة داخل المدرسة، ويمنح المختصين دوراً حقيقياً في صناعة القرار، ويضع الأولويات قبل العناوين، والتجريب قبل التعميم، والتقييم قبل الاحتفال بالنتائج. فالتعليم لا يصلح بكثرة القرارات، بل بحُسن ترتيبها. وحين يتحوَّل الإصلاح إلى قرارات متلاحقة، من دون أن يسبقه التخطيط الكافي، قد يُصبح الإصلاح نفسه جزءاً من المشكلة التي جاء ليعالجها.