من صيد الخاطر: الذَّوْدُ إِلى الذَّوْدِ إِبِل

نشر في 25-09-2026
آخر تحديث 24-09-2026 | 17:53
 طلال عبدالكريم العرب

«الذَّوْدُ إِلى الذَّوْدِ إِبِل»، مثلٌ عربي قديم يُضرب في جمع القليل إلى القليل ليصير كثيراً. فهو يحث على عدم الاستهانة بالقليل، سواء كان ذلك في جمع المال، أو في تحصيل العلم والمعرفة، أو في الأعمال والإنجازات، و«الذَّوْدُ» هنا هو الإبل التي يقع عددها بين الثلاثة والعشرة، فإذا أُضيف «ذَّوْدٌ» إلى «ذَّوْدٍ» آخر صارت إبلاً كثيرة.

العرَب كانت تُعظّم الإبل وتعدّها أصل مالها، وكان الرجل منهم الذي ليس لديه إلا «ذَّوْد» واحد لا يُعتبر غنياً، فإذا ضَمّ بعضها إلى بعض صار ذلك القليل إبلاً كثيرة، عندها عُدَّ من أصحاب اليسار. وكانت العرب تستعمل مثلنا «الذَّوْدُ إِلى الذَّوْدِ إِبِل» في الحثّ على حفظ المكاسب والصبر على ادّخارها، لأن التواني عن جمع القليل يُذهب الجليل.

نبينا محمد -ﷺ - حذّر من الاستهانة بقلة الذنوب، فقال: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ»، فالعود الواحد لا يُنضج الطعام، بل مجموعه هو الذي يُنضجه، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ (مُهْرَهُ) حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».

وهناك أمثلة كثيرة لها المعنى نفسه، ومنها: «الجَبَلِ مِنَ الحَصَى»، و«مُجْتَمَعُ النِّطَافِ السَّيْلُ»، وقد قيل في ذلك:

لا تَسْتَهِنْ بِالقَلِيلِ فِي جَمْعِهِ      فَالذَّوْدُ يَا صَاحِ إِلى الذَّوْدِ إِبِلْ

تَجْتَمِعُ القَطْرَةُ كَيْ تَغْدُوَ نَهْراً      وَمِنْ صِغَارِ الحَصَى يُبْنَى الجَبَلْ

وهناك قصة مشهورة، لأبي الجهم الكندي، حصلت له مع والي المدينة المنورة في العصر الأموي جَسّدت المعنى الدقيق لمثلنا، حتى سميت بقصة «ذوْد أبي الجهم».

كان أبوالجهم أعرابياً فقيراً يقطن أطراف بادية المدينة، وكان لا يملك من الدنيا إلا القليل، وقد وَفدَ يوماً على والي المدينة، وقال له: أصلح الله الأمير، إن لي ثمانية من البنين، ولا أملك إلا ناقة مُسِنّة وثلاث شياه، وقد أجدبت الأرض، وقلّ القطر، فَمُر لي بصدقة أتَبَلَّغ بها، فأمر له الوالي «بذوْدِ» من ثلاث نياق سِمان.

أخذ أبوالجهم أول «ذوْدٍ» له وضم إليه ناقته، واعتنى بها وجنّبها البيع أو الذبح، وصار يعيش هو وبنوه على ألبانها وألبان شياهِه، كلما ولدت له ناقةٌ أنثى أبقاها، وإن ولدت ذكراً باعه واستبدل به أنثى، لم يفرط في واحدة منها. كان كلما نما عنده «ذوْدٌ» أبقى على نتاجه ليصل به إلى «ذوْد» آخر.

ومع مرور الأعوام تعاظمت عنده أعداد الإبل، حتى غدت صغار الهبات ونتاج السنين زهاء مئة ناقة وزيادة، وتحول أبوالجهم من أعرابي فقير يستعطي الوالي إلى أحد أرباب الإبل في بادية المدينة، فكان إذا سُئل كيف أغناك الله بعد فقر؟ ابتسم، وقال: «بحفظ القليل، وجَمع (الذوْد إِلى الذَّوْدِ) حتى صارت إبلاً».

 «صندوق الاستثمار الكويتي» هو أول من انطبق عليه المثل «الذَّوْدُ إِلى الذَّوْدِ إِبِل»، جعله الله للكويت صندوق خير وبركة.

back to top