المسار: إشكالية التجارة ومأزق الاستهلاك

نشر في 22-09-2026
آخر تحديث 21-09-2026 | 18:31
 د. بدر عثمان مال الله

نستهلك كثيراً، ونُنتج قليلاً... هذه ليست مسألة سلوك فردي يمكن علاجها بالنصح، بل نتيجة لبنية اقتصادية جعلت الاستهلاك أسهل من الإنتاج، والاستيراد أكثر جدوى من التصنيع، والإنفاق أسرع من الاستثمار. 

في هذا النمط، لا تتحوَّل زيادة الطلب بالضرورة إلى زيادة في الإنتاج المحلي، لأن جزءاً كبيراً منه يتجه إلى السلع المستوردة، فيتسرَّب الدخل إلى الخارج، بدلاً من أن يدور داخل الاقتصاد، ويُولِّد استثماراً وفرص عمل وقيمة مضافة. 

وهنا يظهر أحد أبرز تشوُّهات اقتصادنا، وهو تشوُّه مفهوم التجارة نفسه. فقد أصبح مفهوم التجارة لدى كثير من ممارساتنا الاقتصادية أقرب إلى فتح السوق أمام كل ما ينتج في العالم، واستيراده وتوزيعه وبيعه محلياً. فما إن تظهر سلعة جديدة في أي سوق حتى نجد مَنْ يستوردها ويطرحها أمام المستهلك. 

وهكذا أصبح اتساع قائمة المستوردات يُنظر إليه باعتباره دليلاً على نشاط التجارة، فيما قد يكون في حقيقته مؤشراً على اتساع الاعتماد على الخارج. 

التجارة في الاقتصاد المنتج ليست مجرَّد استيراد وبيع. إنها وسيلة لخلق القيمة، وتوسيع الإنتاج، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وبناء شركات قادرة على المنافسة والوصول إلى الأسواق الخارجية. أما حين تنحصر في إدخال السلع الجاهزة إلى السوق المحلي، فإنها قد تحقق ربحاً تجارياً، لكنها لا تُضيف بالضرورة إلى الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. وهنا تُصبح التجارة قناة لخروج الدخل بدلاً من أن تكون محركاً لتوليد دخلٍ جديد. 

وتتضح المفارقة أكثر عندما نضع الاستهلاك والاستيراد في دائرةٍ واحدة: دخل يُولد طلباً، والطلب يُولد استيراداً، والاستيراد يُخرج جزءاً من الدخل إلى الخارج، ثم نحتاج إلى إيرادات جديدة لتمويل استهلاك جديد. ومع الزمن، يُصبح الاقتصاد أكثر اعتماداً على ما يأتيه من الخارج، وأقل قدرةً على إنتاج ما يحتاج إليه في الداخل. وتزداد المشكلة مع الهدر، خصوصاً في الغذاء. فالهدر لا يشمل الطعام وحده، بل الماء والطاقة والنقل والتخزين ورأس المال الذي دفع ثمنه الاقتصاد. 

لذلك، فإن مكافحة الهدر ليست قضية اجتماعية أو بيئية فقط، بل قضية كفاءة اقتصادية وتخصيص رشيد للموارد. وفي المقابل، يواجه المنتج المحلي معادلة مختلفة. فإذا كانت السلعة المستوردة تدخل السوق بسهولة وبسعر تنافسي، فيما يتحمَّل المنتج المحلي كلفة أعلى للأرض والطاقة والتمويل والعمالة والإجراءات، فإن السوق يرسل للمستثمر رسالة واضحة، «الاستيراد أقل مخاطرة من الإنتاج». ومع تكرار هذه المعادلة يضعف الاستثمار الإنتاجي، وتتقلَّص القدرة المحلية، ثم تزداد الحاجة إلى الاستيراد. لذلك، فإن الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج لا يعني أن نستهلك أقل، بل أن نجعل جزءاً أكبر من استهلاكنا مولداً للإنتاج المحلي. وليس المطلوب أن ننتج كل شيء، فهذا غير ممكن ولا اقتصادي، وإنما أن نحدد ما نستطيع إنتاجه بكفاءة، ونبني حوله استثمارات ومعرفة ومهارات وأسواقاً، وأن تتحوَّل التجارة من مجرَّد بوابة للسلع إلى جسرٍ للإنتاج والتصدير. فقوة الاقتصاد لا تُقاس بما تمتلئ به رفوف أسواقه، بل بما تمتلكه مصانعه ومزارعه وشركاته من قُدرة على إنتاج القيمة والمنافسة وصناعة المستقبل.

back to top