من الاستهلاك إلى الإنتاج
في اقتصادات كثيرة، خصوصاً الريعية والنامية، نشأ نموذج يقوم على استهلاك السلع الجاهزة أكثر من بناء القدرة على إنتاجها. ويبدو الاقتصاد في ظاهره مزدهراً: أسواق ممتلئة، وسلع متنوعة، وقدرة شرائية مرتفعة. لكن هذا الازدهار قد يخفي اختلالاً هيكلياً، فعندما يتسع الطلب المحلي بينما تظل الطاقة الإنتاجية محدودة، يتحول جزء كبير من الدخل إلى طلب على إنتاج الخارج، فيصبح الاستهلاك قناة لتسرب الدخل الوطني بدلاً من أن يكون محركاً للنمو. المشكلة ليست في الاستيراد ذاته، فهو جزء طبيعي من التجارة الدولية، وإنما في أن يحل محل الإنتاج المحلي بصورة مزمنة. فعندما ينافس المنتج المستورد صناعة ناشئة دون توافر التمويل والتكنولوجيا والحجم والإنتاجية، تتراجع الاستثمارات وتنكمش القاعدة الإنتاجية، وتنتقل العمالة إلى أنشطة أقل قيمة مضافة. ومع تراجع الإنتاج، ترتفع الحاجة إلى الواردات، فتزداد حساسية الاقتصاد لتقلبات الخارج. والاقتصاد الذي يستورد معظم ما يستهلك، يستورد معه جانباً من التضخم والتقلبات الاقتصادية. وتزداد خطورة الظاهرة في الاقتصادات الريعية، حيث تؤدي الإيرادات النفطية إلى زيادة القدرة على الاستيراد دون توسع مماثل في الإنتاج. فتتحول الثروة الطبيعية إلى قوة شرائية ضخمة، بينما تبقى القاعدة الإنتاجية محدودة. ومع الزمن يصبح ارتفاع الدخل سبباً لزيادة الواردات، بدلاً من أن يكون حافزاً للاستثمار وتنويع الإنتاج. فالثروة الريعية تستطيع تمويل الاستهلاك سريعاً، لكنها لا تبني اقتصاداً متنوعاً ما لم تتحول إلى رأسمال إنتاجي. وهنا تظهر مشكلة تسرب القيمة المضافة. فالسلعة المستوردة تنقل إلى الخارج الجزء الأكبر من القيمة المرتبطة بالتصنيع والتكنولوجيا والتصميم والبحث والتطوير، بينما يحتفظ الاقتصاد المستورد غالباً بهوامش التجارة والتوزيع. كما أن الاعتماد المفرط على الخارج يزيد مخاطر الصدمات في سلاسل الإمداد والعملات. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يستهلكه الاقتصاد وما ينتجه، أصبح النمو أكثر اعتماداً على الخارج وأقل قدرة على الصمود. لكن المعالجة لا تكون بإغلاق الأسواق أو فرض حواجز عشوائية، فالحماية غير المشروطة قد تنتج صناعات ضعيفة تعيش على الدعم. المطلوب حماية ذكية ومؤقتة ومشروطة بالأداء، تتيح للمشروعات الناشئة التمويل والتكنولوجيا والأسواق، وتربط الدعم بالإنتاجية والتصدير والمكوّن المحلي. وتتطلب هذه السياسة إصلاح التعليم والتدريب، وتحسين بيئة الأعمال، وتمويل البحث والابتكار. فالحماية الناجحة ليست حماية المنتج من المنافسة، بل بناء قدرته على المنافسة. والأهم هو الانتقال من إدارة الطلب إلى بناء العرض، فزيادة القوة الشرائية لا تكفي إذا لم تزد معها قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات. المطلوب توجيه الاستثمار نحو قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، وربط التعليم بالقطاعات الإنتاجية، وتشجيع المشروعات الصغيرة على دخول سلاسل الإنتاج، وتوسيع الأسواق عبر التكامل الإقليمي. فالسوق المحلي الصغير قد لا يوفر اقتصاديات الحجم الكافية، بينما يستطيع السوق الإقليمي تحويل المصنع المحلي إلى قاعدة إنتاج وتصدير. المشكلة إذن ليست أن يشتري الناس، بل أن يصبح الاقتصاد كله قائماً على الشراء. فالاستهلاك قد يرفع الناتج في الأجل القصير، لكن الاستثمار في رأس المال البشري والتكنولوجيا والصناعة والزراعة هو الذي يرفع الإنتاجية والدخل الحقيقي في الأجل الطويل. لذلك فإن قوة الاقتصاد لا تقاس بحجم ما يستطيع استيراده، بل بقدرته على تحويل موارده إلى إنتاج ذي قيمة مضافة وتنافسية. والخروج من فخ الاستهلاك لا يعني التقشف أو حرمان المجتمع من الرفاه، بل إعادة توجيه الرفاه نحو اقتصاد أكثر إنتاجية. المطلوب أن تنتقل السياسات من تمويل القدرة على الشراء إلى تمويل القدرة على الإنتاج، ومن حماية الأسواق إلى بناء القدرات، ومن دعم الاستهلاك إلى تحفيز الاستثمار. عندها يصبح الاستيراد مكملاً للإنتاج لا بديلاً عنه، وتتحول التجارة إلى أداة للنمو. فالاقتصاد لا تُبنى قوته بما يملك من قدرة على الإنفاق، بل بما يملك من قدرة على إنتاج القيمة.