6 أقدام... درس تولستوي للإنسان

نشر في 08-09-2026
آخر تحديث 07-09-2026 | 19:03
 د. بدر عثمان مال الله

كم يحتاج الإنسان من الأرض؟ سؤال بسيط طرحه ليو تولستوي قبل 140 سنة في قصة قصيرة المحتوى كبيرة المعنى، لكنه ما زال يلاحقنا ونحن نركض. سؤال لا يُجاب عنه بالخرائط، بل بالنفس الانسانية. بطل القصة باخوم، فلاح بسيط يملك كوخاً وحقلاً صغيراً. لكنه سمع عن أرض أوسع، فانتقل، ثم سمع عن أرض أرخص، فانتقل، وكلما اتسعت أرضه ضاق صدره. الطمع لا يملأ فراغاً، بل يحفره. كان يظن أن السعادة مسألة مساحة، وأن الرضا يُقاس بالفدادين. 

وفي كل مرة كان يركض نحو أرض جديدة، كان يبتعد خطوة عن نفسه، ثم جاءته صفقة العمر. شعب الباشكير يعرض عليه أرضاً بثمن بخس «خذ كل ما تستطيع أن تدور حوله في يوم واحد، من شروق الشمس إلى غروبها». فرح باخوم. أخيراً سيحصل على «ما يكفي». انطلق مع الفجر كالمجنون، يركض ويخط ويحسب. الشمس ترتفع وهو يبعد، والطمع يوسع خطواته. كلما رأى تلة قال: «لو أخذتها معي». وكلما رأى نهراً قال: «وأطرافه أيضاً». كان يجمع الدنيا، وينسى أن الدنيا تجمع عليه الوقت. وعند الظهيرة بدأ الخوف. الشمس مالت. وتذكر الشرط: «إن لم تعد إلى نقطة البداية قبل الغروب خسرت كل شيء». فاستدار وركض. لكنه كان بعيداً جداً. كانت الأرض التي جمعها تثقل ظهره، والخوف يسحب قدميه. كانت الشمس تغرب دماً، والحقول التي ملكها تتحول إلى سراب. وفي اللحظة الأخيرة، وصل. ارتمى عند خط البداية، ووجهه في التراب، وأنفاسه مقطوعة. مات وهو يملك كل شيء، ولم يعد يملك نفَساً واحداً. حفر له خادمه قبراً. وقف الناس حوله صامتين. وهنا قال تولستوي الجملة التي لخصت باطن المعنى: «كل الأرض التي يحتاجها الإنسان هي ست أقدام». ست أقدام بطول جسد، وعرض كتفين. لا أكثر. كل الإمبراطوريات التي بنيناها، كل العقود التي وقعناها، كل الحدود التي رسمناها، تنتهي هنا. لا يحتاج الميت إلى فدان، ولا إلى قصر، ولا إلى اسم على بوابة. يحتاج إلى حفرة تتسعه، وتراب يغطيه. الإنسان صار باخوم اليوم. يجري وراء «أرض» اسمها ترقية، و«أرض» اسمها بيت أكبر، و«أرض» اسمها ألف متابع، و«أرض» اسمها أن يكون الأفضل. يبيع أيامه مقابل مساحات لا ينام فيها كلها، ويجمع مالاً لا يحتاجه كله، ويصعد سلماً لا يعرف إلى أين ينتهي. والشمس؟ الشمس تميل كل يوم. والعمر شرطه واضح «ارجع قبل الغروب». المأساة ليست أن الإنسان لا يملك، المأساة أنه لا يكف عن الركض. يعلمنا تولستوي أن الطمع ليس حباً في الحياة، بل خوف منها. نخاف أن نفقد، فنركض. نخاف أن نكون أقل، فنزداد. ولا ندرك أن الزيادة هي التي تفقدنا. باخوم لم يمت بسبب المشي. مات بسبب «المزيد». مات لأنه لم يقل «هذا يكفي». في النهاية، لن يسألك أحد كم فداناً تركت؟ ولن يفتحوا خزانتك ليعدوا ما فيها. سيسألون: هل كنت طيباً؟ هل كنت حاضراً؟ هل أرهقتك الدنيا فأرحت من حولك؟ فاسأل نفسك الآن، قبل أن تميل الشمس، كم من الأرض تحتاج؟ وكم من عمرك أنفقت وأنت تركض إليها؟ فقد لا تكون المشكلة في ضيق الأرض التي نملكها، بل في أننا لم نتعلم أبداً أن نقول «هذا يكفي».

back to top