من صيد الخاطر: حَلبْتُها بالساعد الأشَدّ
«حَلَبْتُهَا بِالسَّاعِدِ الأَشَدِّْ»... مثل عربي يُقصَد به إني أخذت حقي بقوتي، فهو مثل يَحضُّ على عدم التهاون في أخذ الحق بكل ما نملك من شدة وبأس.
مثلنا «حَلَبْتُهَا بِالسَّاعِدِ الأَشَدِّ» هو صدر بيت «وَقَدْ خَضَمْتُهَا بِالضِّرْسِ الأَعْضَدِ»، وهو من الشعر العربي القديم في الشجاعة والظفر بالحق بقوة وعزيمة عندما لا ينفع اللين.
فـ «حَلَبْتُهَا بِالسَّاعِدِ الأَشَدِّْ» هنا استعارةٌ بأنه أخذ حقه بقوة ساعده لا ساعد غيره، أما «خَضَمْتُهَا»، فهو أخذ كامل حقه عندما حلب كل ما في ضرعها من حليب، وأما قوله «بِالضِّرْسِ الأَعْضَدِ»، فالأعضد هنا هو الضرس الأقوى، فهو يعني أنه أخذ حقه بأقوى ما عنده، فالحقوق لا تُنالُ بالضَّعْفِ أو بالاعتماد على الغير، بل بأخذ أسباب قوة صاحب الحق.
وقد أمر الله سبحانه بالأخذ بأسباب القوة، والاعتماد على النفس، والمغالبة في نيل الحق في قوله تعالى: «يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ»، وفي قوله: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»، وفي قوله: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ»، فهو حث صريح على إعداد القوة الذاتية والامتناع بها بدلاً من الاتكال على الغير، كما مدح نبينا محمد، ﷺ، القوي، قائلاً: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِن الضَّعِيفِ».
وهناك أمثلة كثيرة تحض على الاعتماد على النفس، والأخذ بأسباب القوة في كل شيء، ومنها بيت الشعر القائل:
ما حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِكَ فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيعَ أَمْرِكْ
و«لأَطَأَنَّ وَطْأَةً ثَقِيلَةً»، أي لأضربن بقوة واقتدار تمكنني من الفوز بما أريد، و«فمَنْ غَلَبَ سَلَبَ».
وهذه مجموعة أخرى تحثّ على الاعتماد على النفس وعدم الركون إلى الغير، ومنها «مَنْ اعتَمَدَ عَلَى ظِلِّ غَيْرِهِ مَاتَ حَرّاً»، و«مَنْ لَمْ يَسُدْ بِسَيْفِهِ لَمْ يَسُدْ بِسَلَفِهِ»، فالتباكي والاستقواء بأمجاد الماضي والانتساب للغير لا تصنع للرجل سيادة، و«العِزُّ فِيمَا تَبْتَنِيهِ يَدَاكَ، لا فِيمَا يَمُنُّ بِهِ سِواكَ»، و«إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُطَاعَ فَاكْفِ نَفْسَكَ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُهَابَ فَاعْتَمِدْ عَلَى سَاعِدِكَ»، إنها أمثال وحكم عربية واضحة في معناها ومقصدها.
وهذا حوار يؤكد ما في مثلنا، فحصل أن دخل الفارس والشاعر عمرو بن معديكرب على خليفة المسلمين، الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، فسأله عمر: «يا عمرو، كيف كنت تأخذ حقك أو تصيب غنيمتك من الأعداء في الجاهلية إذا امتنعوا عنك؟»، فتبسّم عمرو، وهز سيفه الصارم المعروف بـ «الصمصامة»، وقال قولته الشهيرة التي ذهبت مثلاً: «كنت آخذها عنوة، وأحلبها بالساعد الأشد».
حكم وأمثال ونصائح قديمة نحن العرب في أمسّ الحاجة إلى أن نتأسى بها، فالمغانم العظيمة، والغايات السامية، والحقوق المغتصبة لا تتأتى لمن يهاب الصعاب، بل تحتاج إلى اقتحام وشدة ساعد لاسترجاعها، والأمم لا ولن تسود إلا بقوتها لا بقوة غيرها، وصدق أحمد شوقي حين قال:
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا