بُعد آخر: في الميزان: الشهادة أم الخبرة؟

نشر في 04-09-2026
آخر تحديث 03-09-2026 | 18:16
 د. عبدالرحمن بدر القصّار

تخيل أن موظفاً أمضى 15 عاماً في إدارة معينة، يعرف تفاصيل عملها، وعاصر تحدياتها، وشارك في تطويرها، وأصبح بحكم خبرته مرجعاً في كثير من أعمالها، ثم يشغر منصب قيادي فيها فيكتشف أن كل هذه السنوات لا تمنحه حتى فرصة المنافسة، فقط لأن شهادته الجامعية لا تطابق التخصص المحدد للمنصب! وفي المقابل، قد يتقدم شخص يحمل التخصص المطلوب، بخبرة محدودة، فيتم اختياره بالنهاية.

القصة افتراضية، لكن مضمونها ليس بعيداً عن الواقع، فالمعيار الحقيقي لا ينبغي أن يكون اسم الشهادة أو سنوات الخبرة منفردين، بل قدرة المرشح على أداء مهام الوظيفة وتحمل مسؤولياتها.

ولا خلاف على أهمية المؤهل العلمي، فهناك وظائف لا يمكن ممارستها دون تخصص محدد، كالطب والهندسة وبعض المهن الفنية، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهادة بوابة العبور الوحيدة، مهما كانت خبرة الشخص ومعرفته وكفاءته.

وهذه الفكرة ليست جديدة علينا، فقد لخّصها القرآن في معيار واضح: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، فالمهم ليس من هو الأفضل مطلقاً، بل من هو الأنسب للمهمة (Fit for the role)، وهو جوهر الحوكمة: وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وفق كفاءته وملاءمته للمنصب.

ولعل ما يحدث في سوق العمل يستحق التأمل، فتقرير مستقبل الوظائف 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن 81% من الشركات تتوقع الاعتماد على خبرة العمل عند تقييم المرشحين خلال 2025–2030. وفي المؤسسات المالية، تنظر معايير الملاءمة للمناصب القيادية عادةً إلى مزيج من المؤهل والخبرة والمعرفة والمهارات، بل قد يُعتد بالخبرة أحياناً بدلاً من المؤهل متى ما كانت معتبرة وكافية.

فليس من المنطقي أن تستثمر مؤسسة سنوات في بناء خبرة شخص، ثم تتعامل معها وكأنها لا تساوي شيئاً لمجرد عدم تطابق تخصصه الجامعي مع المطلوب. وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح سنوات الخدمة جواز عبور تلقائي، فليست كل خبرة طويلة دليلاً على الكفاءة.

والحل في نظري ليس بانتصار الشهادة أو الخبرة، بل بفتح المجال لكليهما وفق طبيعة الوظيفة: مؤهل مناسب، أو خبرة معتبرة وذات علاقة لعدد كافٍ من السنوات، أو مزيج منهما، ثم تترك المنافسة لتحدد الأكفأ.

فحين نختار شخصاً لمنصب ما، لا يكفي أن نسأل: ماذا درست؟ وكم سنة عملت؟ بل: ماذا تعرف؟ وماذا أنجزت؟ وهل تملك ما يؤهلك لهذه المسؤولية؟

فالمؤسسات لا تنجح فقط بشهادات حامليها، ولا بسنوات الخدمة وحدها، بل باختيار الكفاءات أينما وُجدت.

* متخصص بالحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا

back to top