في الصميم: ما وراء العناد إلا الخسارة

نشر في 01-09-2026
آخر تحديث 31-08-2026 | 20:17
 طلال عبدالكريم العرب

أرسل لي أحد الإخوان حكاية لا تزال تتداول.

الحكاية طريفة وحصلت في العهد العثماني، وفي بلاد الشام تحديداً، ودلالاتها السياسية لا يمكن للنبيه العاقل إلا أن يفهم مغزاها والمقصد من ورائها.

الحكاية، مع بعض التحوير، تدور حول قاضٍ عثماني حكم على متهم بقضية ما، لكنه خيّره بين ثلاث عقوبات، أعطاه الحق في أن يختار إحداها، فإمّا أن يدفع غرامة قدرها مئة ليرة عثمانية، أو أن يأكل 100 رأس فلفل حار، أو أن يُجلد مئة جلدة.

المتهم استكثر دفع المئة ليرة، فاختار أن يأكل المئة رأس فلفل، على أنها العقوبة الأهون والأرخص، بدأ الرجل بقضم الفلفل، ويبدو أنه كان فلفلاً غزاوياً، لأنه ما إن أكمل عشرة رؤوس حتى جحظت عيناه وسالت دموعه، وبدأ الحرقان يأكل بطنه وكاد رأسه ينفجر، فالتفت الرجل إلى القاضي وهو يلهث ولا يكاد يرى ما حوله، طالباً أن يستبدل عقوبته بالمئة جلدة لعل وعسى أن يتحملها.

وما إن بدأ القاضي تنفيذ حكم الجلد عليه، حتى انهار عندما بدأت «الخيازرين» تنهال على ظهره، وكأنه لم تكفه حرارة فلفل غزة، فالتفت إلى القاضي مستسلماً، وملتمساً أن يدفع المئة ليرة، فما ضرّ هذا «العنادي» لو أنه نفذ منذ البداية حكم القضاء، ودفع ما عليه؟ ولكن عناده ومكابرته، وأخذه العزّة بالإثم أدى إلى هذا الألم والحرقة والخسارة، إلى جانب الإهانة والبهدلة.

الحكاية تنطبق تماماً على الوضع الإيراني، فإما أن النظام الحالي لا يعلم أن من أتى به ومكّنه من حُكم هذا البلد العريق هي أميركا وحلفاؤها، أو أنه تناسى عمداً عندما رأى ما وصل إليه من قوة وتمدُّد في عدة عواصم عربية ما كان لها أن تسقط بيده لولا رغبة مَن أتى به، ولضحالة فكره السياسي اختار بتهور العناد والمكابرة من دون أن يحسب حساب عواقبها الوخيمة.

لقد قُدمت لهذا النظام عدة حلول، وكثير من أطواق النجاة ما كان لنظام عربي أن يحلم بها، كان عليه أن يختار أحدها، طُلب منه التخلي عن برنامجه النووي، فرفض، وطُلب منه التوقف عن صناعة الصواريخ البالستية فرفض، وطُلب منه التوقف عن اعتداءاته واعتداءات ولائييه على دول الجوار فرفض، فما كان مِن الذين أتوا به إلّا أن عاقبوه على عناده، وعلى تخطيه خطوطهم الحُمر.

ما كان من وراء عناد إيران إلّا الخسارة، خسرت إنتاجها النفطي، وحوصرت كل موانئها، فلا استيراد ولا تصدير، وتدهور اقتصادها، ووصل إلى الحضيض، فما ضرّها لو أنها سارت مسار الأمم العقلانية الحكيمة، وانخرطت كسائر الأمم في التنمية، والتزمت بحُسن الجوار، وتركت عنها الصبيانية، والمراهقة السياسية؟

هذا النظام حرمَ الشعوب الإيرانية من العيش الكريم، وبذّر أموالها على رفاهية ولائييه وخلاياه الإرهابية، وهدر مئات المليارات على صواريخه، وعلى مشروع نووي لا أحد في العالم يوافق عليه، ولا حتى الصين وروسيا.

إيران ما هي إلا إحدى دول العالم الثالث عشر، فلماذا هذا العناد والتباهي بما لا يستطيعون؟

back to top