بعد «ضمان»... الحلم الأكبر إصلاح نظام الرعاية الصحية في البلاد (2ـ 2)

نشر في 01-09-2026
آخر تحديث 31-08-2026 | 19:35
 محمد الجارالله

كتبت في المقال السابق أن نقل نحو مليونَي وافد إلى منظومة «ضمان» لم يكن الغاية التي دفعتني إلى التفكير بالمشروع قبل نحو ربع قرن، وإنما المرحلة الأولى من مشروع أكبر: إعادة هندسة النظام الصحي الحكومي في الكويت.

الفكرة لا تخص الصحة وحدها، فهي تمتد إلى النفط والدفاع وغيرها: كيف نُدير القطاع الحكومي بكفاءة أعلى، ونحقق أفضل مردود من موارد الدولة؟

واليوم، وقد اقترب الحلم الأول من التحقق، علينا ألا نضيِّع الفرصة. فانتقال المقيمين إلى منظومة متكاملة خاصة بهم سيخفف الضغط عن مرافق وزارة الصحة وميزانيتها وكوادرها. والسؤال الأهم: ماذا سنفعل بعد أن تخف الزحمة؟

ماذا نحصل مقابل كل دينار؟

اقرأ أيضا

هل نستطيع وقف الهدر غير المقصود الذي يصعب على أي مسؤول مواجهته منفرداً؟ فالموروث البيروقراطي والبطالة المقنعة وانخفاض إنتاجية الفرد مشكلات تجذَّرت عبر عقود.

هنا نصل إلى مفهوم مهم في الإدارة الحديثة: اقتصاديات الصحة. وهو لا يعني أن نبخل على المريض أو نحوِّل المستشفى إلى شركة تجارية، وإنما نسأل: ما أفضل خدمة يمكن تقديمها بالموارد المتاحة؟ وما القيمة الصحية التي يحصل عليها المواطن مقابل كل دينار؟

قد تتضاعف الميزانية، ونبني المستشفيات ونشتري أحدث الأجهزة ونزيد العاملين، لكن هل تحسَّنت الخدمة والنتائج والإنتاجية بالمقدار نفسه؟

المشكلة في الإنتاجية

تستحوذ الرواتب والمزايا على جزء ضخم من الإنفاق الصحي، ومن حق الطبيب والممرض والفني رواتب جيدة. المشكلة أن ترتفع الكلفة من دون إنتاجية تتناسب معها. ومَنْ يعرف المستشفيات داخل الكويت وخارجها يُدرك الفارق في الإنتاجية والاستفادة من غرف العمليات والأجهزة والعيادات.

خذوا مثالاً بسيطاً: غرف العمليات في مستشفياتنا تتوقف في معظمها تقريباً من الثانية ظهراً حتى السابعة صباحاً، باستثناء غرفة أو غرف الطوارئ، مع أن أعداد الجراحين وأطباء التخدير في كثيرٍ من المواقع تفوق الحاجة. هذا الاستخدام المحدود لمنشأة باهظة التكلفة لا نراه بالصورة نفسها في أوروبا أو القطاع الخاص.

لهذا لا يكفيني عدد الأطباء أو الممرضين، أريد حجم الخدمة وجودتها. وإذا اشتريت جهاز أشعة بمئات الآلاف، أُريد أن أعرف كم ساعة يعمل، وكم فحصاً ينجز، ومدة انتظار المريض. هذه هي اقتصاديات الصحة.

حكومي... بعقلية الكفاءة

لا أدعو إلى خصخصة مستشفيات وزارة الصحة. الدولة يجب أن تبقى مسؤولة عن صحة المواطن والتمويل والعدالة وضمان العلاج. لكن لماذا لا يُدار المستشفى الحكومي بكفاءة القطاع الخاص؟ أو يشارك القطاع الخاص في إدارته؟ لماذا لا يعرف المدير تكلفة الخدمة وإنتاجية أقسامه؟ ولماذا يصعب التمييز بين وحدة تعمل بكفاءة وأخرى تستهلك الموارد نفسها وتنتج أقل؟

يمكن للمستشفى أن يبقى حكومياً برسالته الاجتماعية، وتكون إدارته حديثة ومنضبطة وخاضعة للمحاسبة مباشرة أمام مجلس إدارة. وهذه كانت، في جوهرها، الفكرة التي أردت الوصول إليها من خلال «ضمان».

حلمي التالي: مؤشر أداء لكل طبيب

إذا كان لي أن أتمنى إنجازاً صحياً كبيراً بعد تشغيل «ضمان»، فهو تطبيق مؤشرات أداء حقيقية وواضحة لكل طبيب وقسم ومستشفى.

كم مريضاً عاين الطبيب؟ كم عملية أجراها الجراح؟ ما النتائج والمضاعفات؟ كم ينتظر المريض للموعد؟ كم عملية أُلغيت؟ كم ساعة تعمل غرفة العمليات؟ وما متوسط مدة الإقامة وإعادة الدخول؟ والأمر نفسه للأشعة والمختبر والعلاج الطبيعي والتمريض والصيدلة.

مؤشرات الأداء ليست أرقام إنتاج فقط. لا نريد طبيباً يُعاين خمسين مريضاً على حساب الجودة، ولا جراحاً يزيد عملياته وترتفع مضاعفاته. المؤشر الصحيح يجمع الإنتاجية والجودة وسلامة المريض والنتائج.

كما أن القياس ليس عصاً لمعاقبة العاملين، غياب القياس هو الذي يظلم المجتهد. كيف نُساوي بين طبيب يعمل وينتج ويطوِّر نفسه، وآخر محدود الإنتاجية، ثم تتشابه الترقيات والمزايا والتقييم؟ القياس يُنصف المجتهد قبل أن يُحاسب المقصِّر.

فرصة ربما لا تتكرر

أصدرت وزارة الصحة الحالية قرارات وتنظيمات إيجابية ومهمة، خصوصاً للقطاع الصحي الخاص، وكثير منها كان مستحقاً وبقي سنوات في الأدراج بسبب الخوف من ردود الفعل والمزايدات الشعبوية، وهذا يُحسب لها. لكن الاختبار الأكبر، في تقديري، هو إصلاح القطاع الحكومي نفسه.

فالوزارة تعمل اليوم في ظرفٍ سياسي وإداري مختلف، مع قيادة سياسية تدعم الإصلاح وتطبيق القانون، وقادرة على حسم ملفات بقيت معلَّقة لسنوات. وما حدث في «ضمان» خير مثال. لذلك أقول للإدارة الحالية: هذه فرصتكم.

مع انخفاض الضغط، يجب إعادة حساب احتياجات المستشفيات من الأسرة والعيادات والقوى العاملة والمراكز وغرف العمليات والتخصصات والمناوبات والتحويلات والميزانيات. هذه هي إعادة هندسة النظام الصحي. لا نوظف وننفق فقط لأن هذه أعداد أرسلها ديوان الخدمة المدنية، وإنما نخطط وفق حاجة المريض وحجم الطلب والإنتاجية والنتائج.

قبل نحو خمسة وعشرين عاماً كان حلمي أن نبدأ بـ «ضمان». واليوم أراه أمامي يستعد لاستقبال مرضاه. لكن حلمي لم يكن يوماً مجرَّد بناء مستشفى للوافدين. كان الحلم أن يُصبح «ضمان» الخطوة الأولى لإعادة هندسة النظام الصحي كُله، وأن نسأل بشجاعة وشفافية: ماذا يحصل المريض مقابل كل دينار نُنفقه على الصحة؟

القيادة السياسية أعادت «ضمان» إلى الحياة، ووزارة الصحة أمام فرصة تاريخية للبناء على هذا الإنجاز. إذا تحقق الحلم الأول، فالحلم الأكبر يبدأ الآن: مستشفيات حكومية أكثر كفاءة، وطبيب يعرف مؤشرات أدائه، وإدارة تعرف تكلفة خدماتها، وموارد توزع وفق الحاجة والإنتاجية والنتائج.

يومها يكون «ضمان» قد أدى الرسالة التي فكرت فيه من أجلها قبل ربع قرن: أن يكون الخطوة الأولى في إعادة هندسة النظام الصحي في الكويت.

* وزير الصحة الأسبق

back to top