مستشفى «ضمان»... حلمٌ انتظر ربع قرن (1-2)
شاهدت الفيديو المتداول أخيراً عن مستشفى «ضمان» أكثر من مرة، وأرسله لي أصدقاء كُثر. ربما يراه غيري مستشفى حديثاً بأكثر من ثلاثمئة سرير وأجهزة متطورة وأقسام تكاد تكون جاهزة لاستقبال المرضى. أما أنا فرأيت فيه ربع قرن من الذاكرة، فكرة بدأت على الورق، ومشروعاً ركضنا خلفه سنوات، ثم تعثر وتوقف ودخل الأدراج، وها هو اليوم يقف أمامنا حقيقة. بعض الأحلام تتأخر كثيراً، لكنها لا تموت.
من المهم، بعد كل هذه السنوات، أن أوضح أن الفكرة لم تكن في الأصل إنشاء مستشفيات للوافدين وإخراجهم من مستشفيات وزارة الصحة. هذه كانت الوسيلة والمرحلة الأولى. أما الغاية، فكانت إعادة هندسة النظام الصحي في الكويت، والوصول تدريجياً إلى إدارة أكثر كفاءة تحقق قيمة حقيقية لكل دينار تُنفقه الدولة على الرعاية الصحية، وهو أمر كان شبه مستحيل، آنذاك، في ظل التجاذبات السياسية والمزايدات الشعبوية.
كُنت مقتنعاً بأن الدولة يجب أن تبقى مسؤولة عن صحة الناس وعدالة الحصول على العلاج، لكن المستشفى الحكومي لا يعني بالضرورة إدارة بيروقراطية ثقيلة. كُنت أطمح إلى نموذج يجمع مسؤولية الدولة الاجتماعية مع كفاءة الإدارة وانضباطها ومحاسبتها على النتائج، كما في النظم الصحية المتقدمة وأنظمة القطاع الخاص. لذلك اخترنا التدرُّج، وكان «ضمان» الخطوة الأولى.
من السياسة إلى الأرض
أتذكر أنني ذهبت إلى التكتلات والجماعات السياسية في مجلس الأمة، كتلةً بعد أخرى، أشرح الفكرة وأُناقش مخاوفهم، وكان القبول أسرع مما توقعت. المعنى الذي أسمعه متشابه: طالما أن المشروع لا ينتقص من حق المواطن ولا «يأخذ من جيبه»، فلماذا نعترض؟
ثم بدأت رحلة استغرقت نحو ثلاث سنوات للحصول على الأراضي، بين البلدية والنفط والبيئة والأشغال وأملاك الدولة، حتى تمكنا من تأمين ثلاثة مواقع، مساحة كل منها نحو 50 ألف متر مربع، في شمال البلاد ووسطها وجنوبها، وبدأت المشاورات وتشكيل اللجان مع شركات التأمين والجهات المعنية.
وإذا كان لي أن أختار مشروعاً صحياً أعتز بأنني ساهمت في وضع لبنته الأولى لبلدي، فإن «ضمان» سيكون في مقدمتها.
غادرت الوزارة، وخفت الزخم، وألغيت وكالة الضمان، ودخل المشروع مرحلةٍ من الجمود. وبعد سنوات أعاد د. إبراهيم عبدالهادي، الذي كان وكيلاً مساعداً لشؤون الضمان في فترتي، ثم أصبح وكيلاً أول للوزارة، إخراج الملف من الأدراج ومحاولة تحريكه. وأذكر ذلك إنصافاً لرجل عرف المشروع منذ بداياته وأدرك أهميته.
هل كان «الضمان» فصلاً بين الناس؟
ومن الذكريات التي لا أنساها أن أحد كبار المسؤولين، آنذاك، نظر إلى المشروع باعتباره نوعاً من الفصل بين المواطنين والوافدين، ووصل الوصف إلى تشبيهه بنظام الفصل العنصري (Apartheid).
ذهبت إليه، وشرحت له فلسفة المشروع: أين الفصل العنصري إذا كُنا سنقدم للعامل البسيط مستشفى حديثاً وخدمة صحية عالية المستوى؟
التمييز الحقيقي أن نعتبر الإنسان أقل استحقاقاً للرعاية الجيدة لأنه عامل أو محدود الدخل. وكنا قد ناقشنا المشروع مع منظمة الصحة العالمية ومنظمات حقوق الإنسان، وشرحنا فلسفته وأهدافه.
اليوم، وأنا أشاهد مستشفى الضمان، أرى الفكرة التي دافعنا عنها أمامي. وأحسب أنها صفحة إنسانية تستحق الكويت أن تفخر بها: أن يحصل العامل البسيط، الذي جاء ليكسب رزقه، على مستشفى حديث يحفظ كرامته ويقدم له رعاية تليق بالإنسان. فقيمة الإنسان لا يحددها راتبه ولا مهنته ولا جواز سفره.
الشيخ صباح... واتصال لم أنسه
وفي إحدى زياراتي بعد ترك الوزارة إلى الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، أخبرته بأن المشروع توقف، فتأثر واستاء واتصل فوراً، وعلمت أن مبعوثاً ذهب في اليوم التالي إلى وزارة الصحة لمتابعة الموضوع. تحرَّكت الأمور بقوة فترة من الزمن، ثم عاد الزخم إلى التراجع.
مرَّت السنوات، وارتفعت المباني، لكن التشغيل بقي ينتظر. ظهرت البيروقراطية وإشكالات قانونية وإدارية بين الهيئة العامة للاستثمار والشريك الاستراتيجي. وللإنصاف، كان لكل طرف وجهة نظر وجانب من الحق، ولا أكتب اليوم لأبحث عمَّن نلومه. ما كان يؤلمني أن مشروعاً بهذا الحجم ظل معطَّلاً والسنوات تمر.
وأخيراً... القرار
بدأ التغيير الحقيقي مع بداية اهتمام الحكومة بإحياء المشاريع الإصلاحية، حيث قام رئيس الهيئة العامة للاستثمار، الشيخ سعود الصباح، بتحريك الملف بقوة. ثم جاء الدور الحاسم للشيخ فهد اليوسف، الذي زار المشروع، ودفع باتجاه إنهاء الانتظار، وساهم في حسم خلافات ظلت سنوات تعوق انطلاقه.
ثم تولى رئيس مجلس الوزراء، سمو الشيخ أحمد العبدالله، الملف باهتمامٍ مباشر، وعقد الاجتماعات، وتابع التفاصيل، ودفع الجهات المعنية إلى إزالة العقبات. فهذا النوع من المشاريع المتشابكة لا تكفيه المراسلات واللجان، ويحتاج في مرحلة ما إلى قرارٍ سياسي إصلاحي حازم يقول للجميع: انتهى زمن الانتظار.
ومن الإنصاف أن نسجل للإدارة الحالية في وزارة الصحة تعاونها ودفعها نحو استكمال متطلبات الترخيص والتشغيل، بعد سنوات لم يكن فيها الحماس للمشروع بالمستوى الذي يحتاجه.
بدأت الفكرة قبل نحو خمسة وعشرين عاماً. رأيتها تكبر وتتوقف وتدخل الأدراج ثم تخرج منها. تغيَّرت الحكومات والوزراء والقيادات، وبقي الحلم ينتظر.
واليوم أقولها لأهل الكويت، بشهادة مَنْ عاش القِصَّة منذ بدايتها: ما تحقق في ملف الضمان إنجاز كبير للقيادة السياسية، وجزء من الإصلاح الحقيقي الذي نطمح إليه. ولولا فضل الله، سبحانه وتعالى، ثم الحسم والإصرار الذي رأيناه، لما كنت واثقاً أن المشروع سيرى النور بهذه الصورة.
لكن افتتاح مستشفيات الضمان ليس نهاية الحلم. إنه نهاية المرحلة الأولى فقط.
أما الحلم الأكبر الذي فكرت في «ضمان» من أجله، فقد حان وقته الآن: إعادة هندسة النظام الصحي برمته في البلاد.
* وزير الصحة الأسبق