من صيد الخاطر: أفْسَدُ من الجَراد
«أفْسَدُ من الجراد»، مثل عربي يُقال لمن يعيث في الأرض فساداً، يُخرب فيها ويُدَمّر ما عليها، ولهذا شُبِّه المفسد بأنه أفسد من الجراد الذي يجرّد كل ما أمامه من الزرع والشجر فيجفّ الضرع، وتعمّ المجاعة فتنتشر الأمراض والأوبئة.
وهناك وصية لطيء، قال فيها: يا بنى إنكم قد نزلتم منزلاً لا تخرجون منه، ولا يدخل عليكم فيه، فارعوا مرعى الضبّ الأعور، «أي لا تفرطوا في تجريد الأرض»، أبصر جحره، وعرف قدره، ولا تكونوا كالجراد رعى وادياً وأنقف وادياً، أكل ما وجد، وأكله ما وجده، وأنقف وادياً أي فقس بيضه فيه، أي أن الجراد المفسد لم يكفه أنه جرّد وادياً من زرعه، فهو وضع في واد آخر بيضه ليفسده ويتلفه «الدبا»، وهو الجراد قبل نمو جناحه.
وقد سمّي الجراد بذلك، لأنه إذا نزل بأرضٍ جرّدَها من زروعها وشجرها، ولهذا قيل لُغويّاً: «جَرَدَ الأَرْضَ أي قَشَرَهَا وأَذْهَبَ مَا عَلَيْهَا»، وهناك أمثلة شُبّه بها الإنسان بالجراد، ومنها: «آكَلُ مِنَ الْجَرَادِ»، لشدة نهمه والتهامه لكل شيء، و«أَطْيَرُ مِنْ جَرَادَةٍ»، دلالة على سرعة فزعه وهروبه.
الله سبحانه ذكر الجراد في عدة آيات، منها «خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ»، واصفاً إياهم كالجراد لكثرتهم، وقال: «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ»، واصفاً الجراد بأنه آفة للإهلاك.
وهناك شعراء ذكروا الجراد في قصائدهم، ومنها بيت منسوب لامرئ القيس يصف فيه كثرة الخيل:
وَرَكْبٍ كَأَسْرَابِ الجَرَادِ هَبَطْتُهُمْ بِأَخْرَقَ حَدَّارِ العَشِيَّةِ مُغْدِقِ
مفتخراً بهجومه على جمع غفير من الركبان المتزاحمين كأسراب الجراد، بنزوله عليهم بجواده بقوة في وقت العشيّ.
وآخر منسوب لجرير، يصف فيه كثرة الجيش:
يَمُوجُ الجَيْشُ حَوْلَكَ كَالجَرَادِ وَتَهْتَزُّ السُّيُوفُ مَعَ اللِّوَاءِ
وقال آخر واصفاً نزول الجراد على الأرض:
وَجَرَادٍ يَطِيرُ فِي الحَائِرِ الدَّاحِ ـضِ كَالشَّرَارِ يَرْتَمِي مِنْ شُهَاطِ
والحائر هنا هو مكان يكثر فيه الخير، والداحض هو الزلق، أما الشهاط فهو شواظ النار أو الحطب المشتعل يتطاير منه الشرر.
هناك بلدٌ واحد فقط ينطبق عليه المثل «أفْسَدُ مِنَ الْجَرَادِ»، بأفعاله الحقيرة المؤذية المدمرة، إنها إيران التي ما دخلت بلداً ولا مدينةً ولا قريةً إلا أفسدتها، وجعلت عاليها سافلها، حقداً أسود وكرهاً أعمى، فحولتها من بلاد غنية متعلمة واعدة إلى بلاد فاشلة فقيرة، بلاد تمزقها الصراعات الطائفية، والسرقات وتجارة المخدرات، ويخيم عليها الجهل والخزعبلات.
إنها لا تختلف في كرهها وحقدها على العرب عن الملك الساساني، شابور الثاني، الملقّب بسابور ذو الأكتاف، فقد اقترن اسمه في التاريخ العربي والشرقي بالبطش والتنكيل خلال حملاته الانتقامية ضد القبائل العربية، فكان ينتزع أكتاف أسراه حتى لا يحملوا السلاح مجدداً، ولم يكتف بذلك، بل يدمر القرى والمزارع، ويردم آبار المياه خلال حملاته.
حمى الله أوطاننا وبلاد المسلمين من جراد البشر، اللهم أهلك كبارهم، واقتل صغارهم، وأفسد بيضهم، واقطع دابرهم، وخذ بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا.