عزاء «كاف»
نصب «كاف» خيمةً ملكية وسط صحراء التيه لاستقبال التعازي في نفسه.
فبعد أن انفجر رأسه وتناثرت أشلاؤه في كل حدبٍ وصوب، تحرّكت أصابعه الصناعية من تلقاء نفسها، وبدأت تجمع ما تبقّى من رأسه وتعيد تركيبه. إلا أن العملية لم تمر من دون خسائر. فلم يعثر على إحدى عينيه، فبات «كاف» - وهو أصلاً بلا أصابع ولا أسنان - أعور يرى بعينٍ واحدة، واعتبر عينه المفقودة قرباناً للحـ(و)رية، حبيبته التي تسكن البحار.
في أول أيام العزاء لم يحضر أحد، ففسّر «كاف» الأمر بعدم نشر إعلان النعي في الصحف، وبأن القوم غير معتادين على أن يجلس الفقيد نفسه في صدر مجلس العزاء ليستقبل المعزّين، وواسى نفسه بالتهام كل المعجّنات والسمبوسة في البوفيه وحده. وفي صباح اليوم الثاني، أتاه الملكان «الأسودان الأزرقان»، وجلسا معه طويلاً يسألانه عن أحوال القوم، والأمتار المسموح بها في ارتدادات القبور، وحرارة البحر، وضيق المضيق. أما في اليوم الثالث، فقد وفد إليه جمعٌ جليل من الشطّار والأبرار، وكانوا جميعاً، مثل «كاف»، ممن ذاقوا الموت ثم عادوا منه على نحوٍ أو آخر.
وفي ختام اليوم الثالث، انطلقت سمرة موسيقية بطبولٍ، ومغنّين، وراقصين من بلادٍ شتى ومنها جبال اليمن، وسهول عُمان، وأطاد الطائف، وأطراف الأهوار، وخشّابة من ضواحي البصرة، وكان بين الحاضرين الأعور والمكفوف، ومن فقد ساقاً، ومن ضحّى بساقين، ومن بُترت يداه، ومن قُطع لسانه، وغيرهم من المشوّهين والمبتلين، ومعهم عراةٌ في أعناقهم الجلاجل والأجراس والصدف الأحمر والأصفر، وعلى رؤوسهم أتواجٌ من السعف. أمسك «كاف» بالميكروفون وألقى فيهم خطاباً تاريخياً*. وما إن انتهى حتى نادوا به قائداً وزعيماً لهم، فتصاعدت الهتافات، وتوالت التهاني.
وهكذا، وبعد أن فقد «كاف» رأسه وعينه وأصابعه وأسنانَه، لم يعد وحيداً... صارت له عصبة.
* تختلف الروايات في مضمون الخطاب، ولا يوجد له أثر مكتوب أو مسجل، لكن من المتفق عليه أنه أثناء هذا الخطاب أسماهم «كاف» بـ «قوم الظل»، ونفخ في مسامعهم بنظم حياتية واجتماعية واقتصادية جديدة، فتبدلت الأرض غير الأرض.