نضال الأشقر: حروبنا المتتالية كادت تدمر المسرح... وعانينا كثيراً من الرقابة

الجريدة. زارتها في بيتها التراثي بـ «مزرعة يشوع» على ارتفاع 400 متر

نشر في 27-08-2026
آخر تحديث 26-08-2026 | 17:28
على بعد 16 كم من شرق بيروت في بلدة «مزرعة يشوع» في قضاء المتن بجبل لبنان، وارتفاع 400 متر، كان لـ «الجريدة» لقاء مع «ست المسرح» السيدة نضال الأشقر، وفي بيت يشبهها، تترآى أمام عينيك لوحات فنية منتقاة تزين جدران البيت التراثي الجميل، ورسمت بعناية ومهارة. تحدثت عن «مسرح المدينة» ورحلتها الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود من النضال المسرحي الذي أوجدته وأصبح علامة فارقة في تاريخ المسرح اللبناني، لارتباطه بقضايا المجتمع والاستقلالية التي منحته إياها بكونه يعتمد على تبرعات وتمويل الناس والأصدقاء والشراكات المجتمعية في لبنان والعالم العربي. الانطلاقة الأولى كانت من منطقة كليمنصور عام 1993، حيث «مسرح المدينة»، ثم شارع الحمراء في سينما «سارولا»، حيث كرست حياتها للمسرح ولم تتوقف رغم الحروب التي توالت على لبنان، وكادت تدمر الحياة الفنية والمسرحية، لكنها بقيت مرابطة وصامدة بل وفاعلة تجاه قضايا المجتمع وما حلّ به من أزمات ونكبات، وفيما يلي التفاصيل:  

• نضال الأشقر اسم بالمسرح اللبناني من الصعب تجاهله عند البحث في أرشيف المسرح اللبناني وتاريخه، ماذا فعلتم خلال الحرب؟ وهل توقفت أنشطتكم؟

- لم نتوقف إلا عندما اضطررنا لذلك، فخلال الحرب نظمنا ورشا للأطفال النازحين، وكانت هذه الورش مهمة جدا، كما حاولنا مساعدة الناس بالوسائل المتاحة لنا. ولم نكتفِ بذلك، بل نظمنا لقاءات وفعاليات ذات طابع وطني، لاسيما حول الجنوب اللبناني.

واستضفنا احتفالاً مهماً عن الجنوب، وحاولنا تنظيم أكبر عدد ممكن من اللقاءات التي تتناول قضاياه، كما واصلنا تقديم المسرح والموسيقى، وأقمنا أمسيات غنائية، من بينها أمسيات بعنوان «شيوخ الطرب».

ومن الفعاليات التي كنا نستعد لها لقاء بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين والمختفين قسراً، بالتعاون مع لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان والصليب الأحمر. كان هدفنا أن نكون قريبين من مشكلات الناس، وأن نتعامل معها بتعاطف وحضور ومسؤولية، لا أن نكتفي بمراقبتها من بعيد.

مسرح نضال الأشقر ارتبط بقضايا المجتمع وظل فاعلاً ومؤثراً

المسرح التزام بالقضايا الوطنية

• هل ما زال المسرح حاضراً في حياتك بعد كل هذه السنوات؟

- أمضيت نحو خمسة وثلاثين عاماً في العمل المسرحي، وما زلت أؤمن بأن على المسرح أن يبقى حياً، وأن يظل جزءاً من المجتمع ومن مشكلاته، فالمسرح ليس مجرد عرض نقدمه للجمهور، بل مساحة للتفكير والتعبير والمشاركة.

قدمنا أعمالاً وفعاليات مميزة، من بينها مشروع «لبنانيون ضد التطبيع»، كما واصلنا إقامة الأمسيات الموسيقية، ومنذ أن أسست المسرح، اعتبرت أن عليه أن يكون جزءاً من هذا المجتمع، وأن يلامس قضاياه وأزماته، وليس مطلوباً دائماً أن نجد حلولاً جاهزة للمشكلات الصعبة، لكن من واجبنا أن نواجهها وأن نتعامل مع آلام الناس ومشكلاتهم بصدق.

في بعض الأعمال، أدخلنا المحاضرات والنقاشات والقضايا الاجتماعية المعقدة، ومنها قضايا النازحين، لذلك أرى أن المسرح لا يقتصر على الترفيه أو العرض الفني، بل يرتبط بالتزام واضح تجاه القضايا الوطنية والإنسانية، كما نظمنا، على سبيل المثال، ثلاثة أيام مخصصة لزياد الرحباني، كانت إحدى لياليها مكرسة للحديث عن المسرح والموسيقى وتجربتهما في الحياة الثقافية، وقد ارتبط المسرح، الذي أسسته، بهذه القضايا منذ بدايته، إذ لم أرده مؤسسة منفصلة عن محيطها، بل فضاء يتفاعل مع المجتمع ويعبّر عن أسئلته.

الأشقر تعتمد على تبرعات الناس والأصدقاء والمؤسسات في لبنان والعالم العربي وهذا ما أعطاها الاستقلالية

وبدأت التجربة الأولى للمسرح في كليمنصو عام 1993 تقريبا، واستمرت على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وخلال هذه السنوات لم تكن الدولة اللبنانية هي الممول الأساسي للمسرح، بل اعتمدنا على الناس، وعلى الأصدقاء في العالم العربي، إضافة إلى بعض الأفراد والمؤسسات.

لطالما شعرت بأن المسرحية رسالة؛ رسالة اجتماعية ووطنية وقومية، فوجود المسرح يشبه وجود المجتمع نفسه، لأنه جزء منه ويعبّر عنه، والتعبير الحر والإبداع قادران على تناول مختلف الموضوعات، بما فيها الموضوعات السياسية.

• هل ما زال المسرح مؤثراً وقادراً على الوصول إلى الناس؟

- نعم، ما زال المسرح مؤثراً. صحيح أن الحياة تغيرت، وأن وسائل الاتصال تطورت، لكن لا يستطيع أحد أن يحل محل المسرح، فهو الفن الذي يقف فيه الفنانون أمام جمهور حي، ويقدمون نصاً أو فكرة أو موقفاً بصورة مباشرة.

المسرح من أرقى الفنون، لأن الإنسان يقف أمام الناس ويتحدث ويعبّر ويفتح مجالاً لخيالهم، وهذه مهمة صعبة وليست بسيطة. جميع الفنون الإبداعية مهمة، لكن المسرح يتميز بأنه يجمع الإنسان والكلمة والموضوع في لحظة واحدة ومباشرة.

لقد كرست حياتي للمسرح، لا للتلفزيون، مع أن الأخير يصل إلى عدد أكبر من الناس، لكن السؤال الأهم ليس مقدار الانتشار، بل مضمون ما يصل إلى الناس. فالمضمون هو الأساس، حتى في ظل الرقابة الموجودة بلبنان؛ إذ يستطيع الفنان، رغم القيود، أن يجد طريقاً للتعبير.

كرست حياتها للمسرح لا للتلفزيون لاعتبارها أن الأهم هو المضمون الذي يصل إلى الناس

مواجهة الرقابة والدفاع عن حرية المسرح

• كيف يستطيع الفنان التعامل مع الجهات الرقابية؟

- عانينا كثيراً من الرقابة، لكننا واصلنا العمل. لم نكتفِ بتقديم مسرحياتنا، بل دافعنا أيضاً عن الفنانين الذين كانوا يأتون إلى المسرح لتقديم أعمالهم، فإذا حاول أحد إيقاف مسرحية، لم نكن نقف متفرجين، بل وقفنا إلى جانب صاحبها ودعمناه.

المسرح بالنسبة إلي فضاء حر ووطني وقومي، وحتى لو لم أقدم أعمالاً كثيرة فإن مجرد الحفاظ على هذا الفضاء كان سبباً كافياً للاستمرار، وقد أسهم هذا العمل في تدريب جيل من الفنانين، وفي بناء تقاليد مسرحية جديدة.

• ماذا فعلت الحرب بالمسرح؟

- عندما ينظر الناس إلى مسيرتي في تاريخ المسرح السياسي واللبناني والاجتماعي، فإنهم يتساءلون عما جاء بعد تلك التجربة. في لبنان اليوم فنانون كثيرون، كما توجد مؤسسات تعليمية وفنية جيدة. وكانت سورية أيضاً تملك معهداً مهماً للمسرح، وقد تخرج فيه عدد من الفنانين البارزين، ومنهم قصي خولي، الذي أعدّه من أهم الفنانين في العالم العربي.

لكن الحروب المتتالية دمرت جمهور المسرح، فكلما بنينا جمهوراً وبدأنا نشعر بالاستقرار، جاءت حرب جديدة. أدت الاغتيالات وسقوط الضحايا إلى توقف الحياة العامة، وأصبح من الصعب على الفنان أن يعرف عما يريد أن يعبّر، أو ما موضوع المسرحية التي ينبغي أن يقدمها. وفي كل مرة كنا نضطر إلى البدء من جديد، ونخسر في الطريق جزءاً من الجمهور.

ومع ذلك، ظل جمهور جديد من الشباب يأتي إلى المسرح، وظل الإيمان بإمكان إعادة بناء العلاقة بين الفن والناس قائماً.

الكتابة والعمل الجماعي

• هل كتبت نصوصاً مسرحية؟

- كتبت قليلاً، ولا أقول إنني كنت أكتب المسرحيات كاملة بوصفها مؤلفة منفردة، لكن العمل المسرحي الجماعي يفرض أحياناً كتابة مشاهد أو إعادة صياغة أجزاء من النص، لأن المخرج أو فريق العمل قد يرى أن تعديلاً معيناً يخدم العرض ويجعله أكثر وصولاً إلى الناس.

لدي وجهة نظر واضحة في التعامل مع النصوص. حتى نصوص سعد الله ونوس، التي لا أحب عادة أن يغير أحد فيها، أجريت عليها تعديلات بعد أن طلبت إذنه، فقال لي إنني أستطيع أن أفعل ما أراه مناسباً. ولم يكن هدفي تغيير النص لمجرد التغيير، بل إجراء ما يخدم العمل ويقربه من الجمهور.

تدريب الممثلين وبناء جيل جديد

شارك في مسرحياتي عدد كبير من الممثلين، يصل أحياناً إلى مئة وعشرين أو مئة وثلاثين أو مئة وأربعين ممثلا، ولا شك في أن هؤلاء اكتسبوا شيئاً من طريقة العمل معي، لأنني أتبنى منهجاً مختلفاً في التدريب والتحضير.

كان الممثلون يتدربون على كل عمل مدة شهرين أو ثلاثة أشهر، وكان هذا التدريب يمنحهم رؤية مختلفة تماماً للمسرح، وفي مسرحية «طقوس الإشارات والتحولات» لسعد الله ونوس، مثلاً، كان لدينا ممثلون كبار ومهمون، وتناول العمل أحداثاً تاريخية، من بينها دخول هولاكو إلى بلاد الشام، بطريقة تجعل المتلقي يشعر بأن الحدث يجري أمامه في اللحظة الراهنة.

لو قُدّم هذا العمل في ظروف سياسية مختلفة، فقد يظن بعضهم أنه يتحدث عن واقع معاصر بعينه. وهذا ما يثبت قدرة المسرح على استخدام التاريخ للتعبير عن الحاضر، وعلى طرح الأسئلة من دون الوقوع في المباشرة.

• يُنظر إلى اسمك بوصفه علامة فارقة في المسرح. ماذا يعني لك ذلك؟

- الحمد لله، لكن الاسم وحده لا يكفي. ينبغي للفنان أن يكون مؤثراً في المجتمع، لأن شخصية الفنان لا تظهر على خشبة المسرح فقط، بل تظهر أيضاً في مواقفه خارجها.

ليس جميع الفنانين قادرين على اتخاذ الموقف نفسه، فبعضهم يخشى اتخاذ موقف واضح، ولا سيما عندما يكون المنتجون مرتبطين بجهات خليجية أو سعودية، لأن ذلك قد يؤثر في فرص العمل. أفهم هذه المخاوف، لكنني لم أكن أتصرف على هذا الأساس؛ فالموقف بالنسبة إليّ أهم من الحسابات المهنية، ولم تكن هذه الضغوط تغير ما أؤمن به.

back to top