بيروت تسكن ذاكرة نواف سلام

نشر في 26-08-2026
آخر تحديث 25-08-2026 | 20:00
 حمزة عليان

وأنا أبحث عنه أثناء وجودي في بيروت، كانت كلماته تسبق كاميرته، التي صبغت هويته بها، الزميل نبيل إسماعيل يطارد بعدسته الحركة السياسية ويتوقف عند إطلالات رجالات الدولة، وكأنه ذلك الصوت المحايد الذي يأخذك بكاميرته إلى عوالم صنعها بنفسه، وبالخبرة التي اكتسبها من حضوره اليومي ورشاقة تنقلاته، والعين التي لا تخطئ الهدف.

وقعتْ عيناي على «قطعة أدبية» خطها بقلمه قبل كاميرته، شعرت كأنه ينطق بلسان رأي عام واسع ينتظر قيام الدولة الموعودة، وجاءت على الشكل التالي:

«من شرفة مدخل السرايا توقّف رئيس الحكومة نواف سلام للحظة، رفع يده بالتحية وأرسل ابتسامة التقطتها كاميرتي، بدت لي اللقطة أبعد من تحية عابرة بين رئيس حكومة وعدسة تلاحقه وتؤرّخ يوماً بعد يوم للصورة السياسية اللبنانية. كأن الرجل من تلك الشرفة كان يطلّ مرة أخرى على بيروت التي أحبّها منذ زمن بعيد يوم لم يكن في موقع السلطة بل طالباً يفتّش عنها بين الكتب.

واليوم أعادني صديقي د. نادر سراج إلى باريس عام 1979 حين كان هو ونواف سلام زميلين على مقاعد الدراسة في جامعة السوربون. يروي سراج أن سلام كان شغوفاً بالدراسة والقراءة والبحث بين رفوف المكتبات القديمة. وفي إحدى جولاته الثقافية عثر على كتاب تاريخي عن اللهجات البيروتية مطبوع عام 1911.  تابع د. نادر قائلاً: اشتراه وأهداني إياه ودوّن عليه عبارة تشجيعية تستشرف مستقبله الأكاديمي: مبروك سلفاً على الأطروحة، مشجّعاً إياي على الكتابة عن بيروت.

نحو خمسة عقود مرّت على تلك الحكاية الباريسية وأكثر من قرن على كتاب لهجات بيروت. تغيّرت المدينة كثيراً وتبدّلت المواقع والأدوار والوجوه، لكن شيئاً من الحكاية بقي في مكانه: العلاقة مع بيروت.

فالطالب الذي كان يفتّش عن بيروت بين صفحات الكتب القديمة في باريس يقف اليوم رئيساً للحكومة على شرفة السرايا يطلّ على المدينة من قلبها على مدينة أهداها التاريخ أبواباً مفتوحة على العلم والقانون والثقافة والحرية والضيافة.

وحين رفع يده مبتسماً نحو كاميرتي خُيّل إليّ أنني لا أصوّر رئيس حكومة يحيّي عدسة فحسب، بل أوثّق تقاطع زمنين في صورة واحدة: طالب الأمس الذي أمضى لياليه الباريسية باحثاً عن إرث بيروت الثقافي ورئيس حكومة اليوم الذي يطلّ عليها من شرفة السرايا.

مدينةٌ بحث عنها يوماً بين الكتب فأصبح اليوم من نافذة الحكم يقرأ أيامها ووجوهها وتحولاتها. أما كاميرتي فكان لها أن تحفظ تلك اللحظة في ذاكرة الصورة السياسية».

back to top