فيتنام... دروس الواقعية التنموية
في أقل من أربعين عاماً، تحولت فيتنام من دولة خرجت من حرب مدمرة واقتصاد شديد الفقر إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم. لكن قصة الصعود الفيتنامي ليست مجرد قصة نمو، بل تجربة تنموية تستحق التأمل، لأنها قامت على إدراك بسيط وعميق، وهو أن التنمية لا تبدأ من الشعارات، بل من إصلاح الاقتصاد كما هو، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة. في عام 1986 أطلقت فيتنام إصلاحات «دوي موي» (التجديد) التي شكلت نقطة التحول الكبرى. لم تتخلَّ الدولة عن دورها، لكنها أعادت تعريفه؛ فتراجعت عن التخطيط المركزي الصارم، وحررت الأسعار، ووسعت دور السوق، وفتحت الاقتصاد أمام التجارة والاستثمار الأجنبي، وبدأت إصلاح الزراعة التي كانت مصدر رزق أغلبية السكان. وقد ساعد هذا المسار على كبح التضخم وتحويل الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد مندمج في الاقتصاد العالمي.
لكن الدرس الأهم أن فيتنام لم تتعامل مع الإصلاح باعتباره قراراً واحداً، بل جعلته مساراً مستمراً للتكيف الهيكلي. انتقلت من إصلاح الزراعة إلى التصنيع، ومن التصنيع البسيط إلى الإلكترونيات، ومن الاعتماد على السوق المحلي إلى التصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية. وقد ارتفعت صادراتها من أقل من 4% من الناتج المحلي عام 1988 إلى قرابة 100% عام 2023، وأصبحت التجارة تعادل نحو 200% من الناتج. وللدول النامية هنا درس واضح، فالانفتاح الاقتصادي لا يعني فتح الأبواب فقط، بل استخدام الانفتاح لبناء القدرة الإنتاجية الوطنية. فقد استقطبت فيتنام الاستثمار الأجنبي ليس لتمويل الاستهلاك، بل لتوسيع الصناعة والتصدير ونقل التكنولوجيا. ومع ذلك، تكشف التجربة نفسها أن الاستثمار الأجنبي لا يكفي؛ فالتحدي الحالي هو زيادة الروابط بين المستثمر الأجنبي والمحلي حتى يحتفظ الاقتصاد بحصة أكبر من القيمة المضافة. والدرس الثاني أن التنمية الحقيقية تحتاج إلى تحول هيكلي. فالدول الفقيرة لا تصبح غنية بمجرد زيادة الإنفاق، بل بنقل العمالة ورأس المال من الأنشطة المنخفضة الإنتاجية إلى الصناعة والخدمات الأكثر إنتاجية. وهذا ما فعلته فيتنام، بالتوازي مع استثمار واسع في التعليم والصحة والبنية الأساسية، حتى أصبح النمو وسيلة لتحسين حياة الناس، لا مجرد ارتفاع في الناتج. أما الدرس الثالث فهو أن الإنسان ليس نتيجة للتنمية بل شرط لها. فقد ربطت فيتنام الإصلاح الاقتصادي بالتعليم والتدريب وتحسين الخدمات الأساسية، فأصبح لديها رأسمال بشري قادر على الاستفادة من التحول الاقتصادي. وهذه نقطة جوهرية للدول النامية التي تنفق كثيراً على التعليم، لكنها لا تربطه بما يحتاجه الاقتصاد من مهارات وإنتاجية. ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول التجربة الفيتنامية إلى نموذج جاهز للاستنساخ. فقد نجحت في ظروفها الخاصة، كما تواجه اليوم تحديات جديدة مثل ضعف القيمة المحلية المضافة، ونقص المهارات، والحاجة إلى الانتقال من التصنيع المنخفض القيمة إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والمعرفة. لذلك، فإن الدرس الحقيقي من فيتنام ليس أن تصبح الدول النامية «فيتنام أخرى»، بل أن تستفيد من منهجها في التنمية: أن تبدأ من مشكلاتها الحقيقية، وأن تجعل الإصلاح مستمراً، وأن تحول الانفتاح إلى إنتاج، والاستثمار إلى قدرة وطنية، والتعليم إلى مهارة، والنمو إلى تحسين في حياة الإنسان. فالدول لا تتقدم لأنها تملك خططاً للتنمية، بل لأنها تملك قدرة تنفيذ تُحوِّل اقتصادها من اقتصاد يتعلم الدروس إلى اقتصاد يُعلمها.