رأس «كاف»
فور الإفراج عنه بكفالة، توجّه «كاف» إلى مصنع الأصابع الصناعية. أوقفه الحارس عند الباب ومنعه من الدخول قائلاً: «أوامر يا باشا». نبّهه «كاف» إلى أنه مدير المصنع، وذكّره بأفضاله عليه وإكرامياته، حكّ الحارس رأسه ولم يتذكر إلا شتائمه له، ثم هزَّ رأسه من جديد وقال: «سامحني يا بيه»... فاستحدث «كاف» شتيمة جديدة، ثم أدار ظهره ومشى.
ولتهدئة أعصابه، قرر أن يلتهم الكثير من الشيكولاتة السويسرية الفاخرة، فدخل البقالة وحاول الدفع إلكترونياً، لكن بطاقته كانت مرفوضة، فمرّ على فرع البنك ليسحب بعض الدنانير، وأخبره الموظف أن حساباته كلها مجمّدة، ولا يحق له التصرف بأمواله. حاول إصدار توكيل لمحامٍ فلم يفلح، واكتشف أن كل معاملاته الإدارية والمحاسبية والقانونية موقوفة... ضاق صدره فحجز تذكرة إلى جزر الواق واق وأسرع إلى المطار، لكنّه مُنع من المغادرة.
هنا أدرك «كاف» أن وضعه أصبح في غاية التعقيد، فارتأى أن يكتب رسالة اعتذار إلى كاتبه عمّا بدر منه في جلسة المحكمة السابقة، وأن يجدّد له البيعة ويُبدي له الطاعة، ويوضح له أن كل ما جرى كان من سحر المستشار عبدربه، ناصع السيرة، ناصح البدن.
انهمك «كاف» في اختراع عبارات تليق بالمقام، مثل:
«إنت القيمر وأنا العسل».
«إنت الدلّة وأنا الفنجان».
«إنت المطرقة وأنا المسمار».
ثم ارتقى قليلاً في البلاغة وكتب: «فديتك يا صانعي، إنت اللي نفخت فيني الحرف، فدبّت بي الروح». وتذكّر عادة «رمي العقال» عند أقدام الزعيم طلباً للعفو والصفح... بحث «كاف» عن عقاله فلم يجده. فخلع رأسه، وحمله بيديه الصناعيتين، ثم رماه في حضن الكاتب.
في تلك الأثناء، كان الكاتب المواطن «س. ب» لا يزال واقفاً أمام هيئة المحكمة، ينتظر استئناف مرافعته، حين سقط رأس «كاف» في حضنه، فاستغرب الأمر، وقرر أن يخفي الرأس في جيبه قبل أن يلتفت إليه أحد. لكن الرأس كان أكبر من أن يدخل الجيب، فخبّأه تحت الطاولة، لعلّ القاضي لا ينتبه. لكن رأس «كاف» بدأ يكبر.. كبُر حتى أصبحت إحدى عينيه بحجم الطاولة، وفمه بحجم الباب، وبدا القاضي نفسه كشعرة عالقة في أنف «كاف».
انتفخ الرأس حتى ملأ القاعة، وضغط على الجدران حتى شقّها. وخرج جزء منه إلى الممر، ثم إلى الشارع، بينما ظل الكاتب محشوراً بين أذن «كاف» اليسرى وكرسي الشهود.
حاول القاضي أن يضرب بمطرقته لإعادة النظام، لكنّ المطرقة اختفت في تجاعيد جبين «كاف».
ونادى الحاجب بإخلاء القاعة، إلّا أن كل المداخل والمخارج كانت قد اختفت.
صار فم «كاف» حياً كاملاً، وأنفه طريقاً سريعاً، وبؤبؤ عينه جسراً متوغلاً في البحر. ومع كل ازدياد في حجمه بات «كاف» يصرخ من داخل رأسه: «أنا المواطن كاف!.. رُدّ لي لقبي يا كاتبي!».
عندها نظر الكاتب إلى ذلك الرأس الهائل، الذي بدأ يوماً كشخصية صغيرة على طرف الصفحة، وفهم أن المأزق لم يَعُد في كيفية إخفاء «كاف» عن القاضي، بل في كيفية إخفائه عن البلد كلّه.
وسرعان ما احتشدت قوات الشرطة وكتائب من الجيش لمواجهة رأس «كاف» العملاق، الذي بات مُعلّقاً فوق السيف كالقمر. ثم دوّى صوته الجهوري حتى اهتزّت له أعماق البحر: «ردّوني مواطن يا ناس!».
وفجأة انفجر رأس «كاف»، وتطايرت أشلاؤه في الشوارع والشواطئ والبراري والبحار، ولم يبقَ منه ولا من المحكمة ولا من الكاتب سوى رزمة أوراق مُبعثرة على الأرض - حكاية رواها معتوه، صاخبة وعنيفة - لا ترمز لأي شيء. *
----------
* من «ماكبث» لشكسبير (بتصرف)