اقتصاد الرواتب... نموذج تحت الضغط
في الاقتصادات المُنتجة، تكون الرواتب انعكاساً للإنتاجية، ونتيجة مباشرة لنشاط اقتصادي يولّد قيمة، أما في اقتصادنا الوطني فقد تحولت الرواتب إلى ركيزة أساسية في بنية الاقتصاد، لا باعتبارها نتيجة للنمو، بل كأداة لدعم الإنفاق والاستهلاك، ومحرك للواردات والتجارة الداخلية وتحويلات العمالة، وهنا يبرز السؤال: هل يمكن لنموذج اقتصادي يقوم على الرواتب أن يستمر في عالم تتسارع به الإنتاجية والتنافسية؟ فالمسألة ليست في حجم الرواتب، بل في الاقتصاد الذي يقوم عليها؛ أي ليست كم ندفع، بل كم ننتج.
يقترب إجمالي الرواتب الحكومية من 15 مليار دينار سنوياً، أي أكثر من نصف الإنفاق العام تقريباً، وفي المقابل تتراوح رواتب القطاع الخاص بين 11 و14 مليار دينار سنوياً، رغم أن عدد العاملين فيه يفوق بكثير عدد موظفي الحكومة، وهذه المفارقة تعكس خللاً هيكلياً واضحاً؛ فالدولة تتحمل العبء الأكبر من الأجور، بينما يبقى القطاع الخاص أقل قدرة على جذب العمالة الوطنية.
ولا تتوقف الإشكالية عند توزيع الرواتب، بل تمتد إلى كيفية إنفاقها، فجزء كبير منها يتحول إلى طلب على السلع المستوردة، في ظل اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على الخارج لتلبية احتياجاته، وقد تجاوزت الواردات السنوية عام 2024 نحو 35 مليار دولار، ومع استمرار نمو الاستهلاك لا يعزز الدخل المحلي الإنتاج بالقدر الكافي، بل يوسع الاعتماد على الخارج، فتتسرب نسبة مهمة من الدخل إلى الاقتصاد العالمي عبر الاستيراد، وهنا لا تتحول الرواتب إلى إنتاج، بل إلى محرك لنمو الواردات.
وتتعمق الفجوة مع تحويلات العمالة الوافدة، التي تُقدّر بنحو 4 إلى 5 مليارات دينار سنوياً إلى الخارج، وهذا يعني أن جزءاً معتبراً من كتلة الرواتب في القطاع الخاص لا يعاد تدويره داخل الاقتصاد المحلي، بل يغادره باستمرار، ما يحد من أثره التنموي ويضعف ديناميكية النمو الداخلي، فالاقتصاد لا ينمو بما يخرج منه، بل بما يُستثمر داخله. هذه العوامل مجتمعة؛ تضخم الرواتب الحكومية، وضعف دور القطاع الخاص، وارتفاع الواردات، وتسرب الأموال عبر التحويلات، تخلق نموذجاً اقتصادياً غير متوازن، نموذج يعتمد على تدفق النفط لتمويل الاستهلاك، دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد قيمة مضافة مستدامة، ومع أي تراجع في أسعار النفط، يصبح أكثر عرضة للاهتزاز. وعندما يصبح الإنفاق محرك الاقتصاد الأساسي، تتحول أي صدمة في الإيرادات إلى صدمة في النمو نفسه، فالاقتصاد الذي يعتمد على مصدر واحد للدخل يحمل في داخله بذور الاختلال.
ويعمق هذا النموذج اختلال سوق العمل؛ إذ تبقى الوظيفة الحكومية الخيار المفضل، بينما يعاني القطاع الخاص من ضعف الإنتاجية وارتفاع الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة، ومع الوقت يتحول الاقتصاد إلى دائرة مغلقة: دولة تدفع رواتب مرتفعة، واستهلاك مرتفع، وواردات متنامية، وإنتاج محدود. الإشكالية ليست أن الرواتب مرتفعة فحسب، بل ان الاقتصاد ذاته أصبح يحتاج إلى رواتب أعلى كل عام ليحافظ على المستوى نفسه من النشاط، ما يجعل استمرار هذا النموذج محفوفاً بالمخاطر في اقتصاد عالمي تتزايد فيه التقلبات، لذلك لم يعد الإصلاح المالي والاقتصادي ترفاً، بل ضرورة لإعادة التوازن بين الإنفاق والإنتاج، عبر إعادة هيكلة سوق العمل، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتقليل الاعتماد على الواردات، وبناء اقتصاد قائم على الإنتاج لا الاستهلاك.