وجوه الكربون (3): الوجه الأحمر
قد يبدو للوهلة الأولى أن الجليد لا يعرف إلا اللون الأبيض، لكن الطبيعة تخبئ مشهداً مختلفاً تماماً. ففي بعض القمم الجليدية والمرتفعات، يتحول لون الثلوج مع بداية فصل الصيف إلى الأحمر القاني - يشبه لون الدم الخالص - في ظاهرة تُعرف علمياً باسم «دم الجليد» (Blood Snow)، وللوهلة الأولى قد تبدو مجرد لوحة طبيعية نادرة، لكنها في الحقيقة تحمل رسالة مقلقة عن مستقبل المناخ.
لا يعود هذا اللون إلى الكربون مباشرة، بل إلى طحالب مجهرية تعيش داخل الثلوج، وتنتج صبغة حمراء لحماية نفسها من الأشعة فوق البنفسجية القوية. ومع ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الطبقات السطحية من الجليد، تجد هذه الطحالب بيئة أكثر ملاءمة للنمو والانتشار، فتبدأ الثلوج باكتساب ذلك اللون الأحمر المميز.
لكن المشكلة لا تكمن في اللون نفسه، بل في أثره. فالثلج الأبيض يعكس معظم أشعة الشمس إلى الفضاء، وهي خاصية تُعرف علمياً بـ «البياض السطحي»، (Albedo)، أما عندما يكتسب الثلج لوناً أغمق بسبب انتشار الطحالب، فإنه يمتص كمية أكبر من الإشعاع الشمسي، فتزداد حرارة سطحه ويتسارع ذوبانه. وهنا تبدأ حلقة متكررة، فكلما ازداد الذوبان، أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لنمو مزيد من الطحالب، وكلما زادت الطحالب، ازداد الذوبان.
قد يتساءل البعض: أين الكربون في هذه القصة؟
الإجابة أن العلاقة غير مباشرة، لكنها وثيقة، فارتفاع تركيز الغازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون، يؤدي إلى ارتفاع حرارة الأرض، وهو ما يهيئ الظروف المناسبة لازدهار هذه الطحالب في مناطق كانت أكثر برودة في السابق، وبذلك يصبح الكربون أحد المحركات التي تسرّع هذه الظاهرة، حتى وإن لم يكن هو المسؤول عن اللون الأحمر نفسه.
ورغم أن الطحالب ليست المشكلة في حد ذاتها، فإن الحد من انتشارها يبدأ من معالجة السبب الرئيسي، وهو تغيّر المناخ. ويأتي ذلك عبر خفض الانبعاثات والتوسع في الطاقة النظيفة، إلى جانب دعم أبحاث المناطق الجليدية ورصد تغيّراتها. فكل خطوة تقلل من ارتفاع حرارة الأرض تسهم في إبطاء الظروف التي تسمح بانتشار هذه الظاهرة.
وفي هذه السلسلة، اخترنا أن نطلق على هذه الظاهرة اسم «الوجه الأحمر»، ليس بوصفه تصنيفاً علمياً للكربون، بل رمزاً لمرحلة يصبح فيها تغيّر المناخ مرئياً بالعين المجردة. فعندما يتحول الجليد من الأبيض إلى الأحمر، فإننا لا نشاهد تغيّراً في اللون فحسب، بل نشاهد أثراً متسلسلاً يبدأ بانبعاثات الكربون وينتهي بتغيّر أحد أكثر الأنظمة البيئية هشاشة على سطح الأرض.
لقد علّمنا الوجه الأسود أن بعض الجسيمات غير المرئية قد تُسرّع الاحترار العالمي.
أما الوجه الأحمر، فيذكّرنا بأن تغيّر المناخ قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها الجليد نفسه شاهداً على ما صنعته أيدينا، وكأن الطبيعة لم تعد تكتفي بإرسال التحذيرات، بل بدأت تلوّنها أمام أعيننا.