وجوه الكربون (2): الوجه الأسود
عندما يُذكر الكربون، يتبادر إلى أذهان كثيرين غاز ثاني أكسيد الكربون، وكأنه المتهم الوحيد في قضية تغير المناخ. لكن الحقيقة أن هناك وجهاً آخر أكثر قتامة، لا يقل خطورة، بل يمتلك قدرة كبيرة على تسريع الاحترار العالمي خلال فترة زمنية قصيرة. إنه الكربون الأسود (Black Carbon).
الكربون الأسود ليس غازاً، وإنما جسيمات دقيقة جداً تتكون نتيجة الاحتراق غير الكامل للوقود الأحفوري، كالديزل والفحم، أو حرق الحطب والمخلفات الزراعية والنفايات. وما إن تنطلق هذه الجسيمات في الهواء حتى تبدأ رحلة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترك آثاراً واضحة في المناخ وصحة الإنسان.
تكمن خطورة الكربون الأسود في أنه يمتص أشعة الشمس بكفاءة عالية، فيسهم في رفع حرارة الغلاف الجوي. والأخطر من ذلك، أنه عندما يترسب على الثلوج والقمم الجليدية، يحوّل سطحها الأبيض العاكس لأشعة الشمس إلى سطح أكثر قتامة، فتزداد كمية الحرارة الممتصة، ويتسارع ذوبان الجليد. ولهذا السبب يصفه العلماء بأنه أحد العوامل التي تُسرّع فقدان الكتل الجليدية في المناطق القطبية والمرتفعات الجبلية.
ولا يقتصر أثره على المناخ. فجسيماته الدقيقة قادرة على اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى أعماق الرئتين، بل والانتقال إلى مجرى الدم، مما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي، ويؤثر بصورة أكبر في الأطفال وكبار السن وسكان المدن ذات الكثافة المرورية والصناعية.
ورغم هذه الآثار، فإن الكربون الأسود يمثل فرصة حقيقية للتحرك السريع. فعلى عكس بعض غازات الاحتباس الحراري التي تبقى في الغلاف الجوي عقوداً أو قروناً، فإن الكربون الأسود يمكث فترة قصيرة نسبياً. وهذا يعني أن خفض انبعاثاته ينعكس بسرعة على جودة الهواء، ويسهم في الحد من الاحترار العالمي خلال سنوات قليلة. ومن هنا تأتي أهمية تحسين كفاءة الاحتراق، وتشديد معايير انبعاثات المركبات، والحد من الحرق المكشوف للنفايات، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة.
قد يبدو هذا الوجه أسود اللون، لكنه في الحقيقة يكشف لنا درساً مهماً، فليست جميع الحلول المناخية بعيدة المنال أو تحتاج إلى عقود حتى تؤتي ثمارها. أحياناً، يكون تقليل الدخان الذي نراه بدايةً لتقليل الاحترار الذي لا نراه. وهذه هي الرسالة التي يحملها أول وجوه الكربون: أن بعض أصغر الجسيمات قد تترك أكبر الآثار.
قد يبدو الكربون الأسود للوهلة الأولى قريباً من الوجه الأحمر، فكلاهما يرتبط بتسارع ذوبان الجليد، لكن الحقيقة أن لكلٍّ منهما آلية مختلفة تماماً. فالكربون الأسود يترك أثره عبر جسيمات السخام الناتجة عن الاحتراق، بينما يحمل الوجه الأحمر قصة أخرى تبدأ من سطح الجليد نفسه.
وفي المقال القادم، سنفكك هذا الالتباس، ونكتشف كيف يمكن لظاهرة تبدو بسيطة في لون الجليد أن تكشف جانباً آخر من أزمة المناخ.