الاقتصاد العالمي... بين «هرمز» والذكاء الاصطناعي

نشر في 04-08-2026
آخر تحديث 03-08-2026 | 20:24
 د. بدر عثمان مال الله

دخل الاقتصاد العالمي عام 2026 وهو يواجه مفارقة نادرة، فمن جهة، تهدد التوترات الجيوسياسية، وفي مقدمتها التهديدات الإيرانية لمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية، ومن جهة أخرى تتسارع ثورة الذكاء الاصطناعي لتقود أكبر تحول إنتاجي منذ الثورة الرقمية. وبين هذين المسارين، لم يعد التحدي مرتبطاً بمعدلات النمو فحسب، بل بقدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على توازنه وسط تصاعد المخاطر وتزايد كلفة عدم اليقين.  

كانت التوقعات مطلع العام تراهن على «هبوط هادئ» بعد موجة التضخم وتشديد السياسة النقدية، إلا أن التصعيد الجيوسياسي بدّد تلك التوقعات، فخفضت المؤسسات الدولية تقديرات النمو مع تراجع ثقة المستثمرين، وتأجيل الاستثمارات، وارتفاع كلفة التمويل. 

وفي ظل هذا الواقع، تتحول الديون السيادية إلى عبء أكبر، إذ تضطر الدول إلى توجيه مواردها لخدمة الدين على حساب الإنفاق التنموي، بينما تتجه رؤوس الأموال إلى الأصول الآمنة، وتتعرض الأسواق الناشئة لضغوط متزايدة. غير أن الخطر الأكبر لا يتمثل في تباطؤ النمو، بل في صدمة العرض الناتجة عن اضطراب إمدادات الطاقة. فتعطل تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز لا يرفع أسعار الطاقة فحسب، بل يزيد تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين والشحن، بما يعيد إنتاج ملامح الركود التضخمي، حيث يتراجع النشاط الاقتصادي بالتزامن مع استمرار ارتفاع الأسعار. ولا تتوقف التداعيات عند الطاقة، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، فتزداد هشاشة الاقتصادات الصناعية المعتمدة على الطاقة الرخيصة والتجارة البحرية، في حين تواجه أوروبا ضغوطاً تضخمية تؤخر تخفيف السياسة النقدية، وتتأثر الولايات المتحدة بارتفاع تكاليف النقل والصناعة. كما تمتد الأزمة إلى الغذاء والأسمدة والمواد الأولية، لتتحول أزمة الطاقة إلى أزمة معيشية عالمية. أما دول الخليج، فرغم استفادتها من ارتفاع أسعار النفط، فإنها تواجه مخاطر على الصادرات والموانئ والاستثمار، مما يجعل تسريع التنويع الاقتصادي وتطوير مسارات التصدير البديلة وتعزيز الخدمات اللوجستية ضرورة استراتيجية. وفي المقابل، يمثل الذكاء الاصطناعي الصدمة الإيجابية الأبرز القادرة على تخفيف جزء من آثار الاضطرابات الجيوسياسية. فالاستثمارات في مراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية الرقمية تعزز الإنتاجية، وتعيد توزيع مراكز القوة الاقتصادية لمصلحة الدول المالكة للتكنولوجيا والقدرات الحاسوبية والبيانات. وتمتلك دول الخليج فرصة لتحويل فوائضها المالية إلى استثمارات في الاقتصاد المعرفي، بما يعزز مكانتها في الاقتصاد الرقمي العالمي، إلا أن الابتكار، مهما بلغ، لا يعوض اختلال أمن الطاقة أو تعطّل الممرات البحرية. أما في عام 2027، فمن المرجح أن يتحرك الاقتصاد العالمي ضمن ثلاثة سيناريوهات: الأول، احتواء التوترات واستقرار أسواق الطاقة بما يسمح بعودة النمو وتراجع التضخم، والثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، استمرار حالة اللايقين مع نمو متواضع تقوده الاقتصادات الآسيوية واستثمارات الذكاء الاصطناعي، والثالث، وهو الأعلى كلفة، اتساع الصراعات أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز، بما يعيد العالم إلى ركود تضخمي جديد ويضع اقتصادات الخليج أمام اختبار صعب. إن الاقتصاد العالمي لا يعيش دورة اقتصادية تقليدية، بل مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوة. فالدول القادرة على الجمع بين أمن الطاقة والسيادة التكنولوجية والمرونة المؤسسية ستكون الأقدر على قيادة الاقتصاد العالمي. وبالنسبة لدول الخليج، فإن النجاح لن يقاس بارتفاع أسعار النفط، بل بقدرتها على تحويل عوائد الطاقة إلى اقتصاد متنوع ومبتكر وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات. وبين مضيق هرمز ورقائق الذكاء الاصطناعي، يتحدد شكل الاقتصاد العالمي الجديد.

back to top