من صيد الخاطر: إذا ريَّشَتْ النملة دنا زوالها

نشر في 31-07-2026
آخر تحديث 30-07-2026 | 18:49
 طلال عبدالكريم العرب

"إذا ريَّشَتْ النملة دنا زوالها"... إذا ريَّشَتْ النملة، أي إذا نبت لها جناحان فقد دنا أجلها، فالنملة عادة ما تدب على الأرض الأكثر أماناً لها، ولكنها ما إن تطير بجناحين مؤقتين لا يليقان بها حتى تصبح صيداً سهلاً للطير، فيكون زوالها بسبب طيرانها.

المثل يحمل دلالات عميقة، فهو يُضرب لمن تتهيأ له ظروف ليس أهلاً لها، فترتقي به لتجعله صاحب مال وسلطة لا يستحقهما، فيصيبه الغرور والتكبر، ويؤديان به إلى سقوطه وزواله.

وهناك أمثلة عربية تعطي المعنى نفسه، فيقال لمن طغى وتكبّر بغير حق: "من استكبر وُضِع، ومن تجاوز قدره صَرَعَه كِبْرُه"، فمن يتكَبَّر يُهَنْ، ومن يحاول الخروج عن حجمه الحقيقي يصرعه غروره الذي رفعه إلى مكان لا يستحقه ليكون سبب سقوطه، ولينطبق عليه المثل القائل: "ما طار طير وارتفع، إلّا كما طار وقع". 

ومن أشهر العِبَر التاريخية التي انطبق عليها مثلنا "إذا ريَّشَتْ النملة دنا زوالها"، والأمثلة الشبيهة به واقعة أبي مسلم الخراساني مع الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، فقد كان الخراساني القائد العسكري الأقوى سلطة في الدولة العباسية، فهو من ساهم في مؤامرة دمار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية على أنقاضها، مما جعله يمتلك نفوذًا هائلاً، وجيشاً يدين له بالولاء المطلق، وكلمة لا تُرد، فأصابه الغرور حتى تجاوز قدره، وصار يتعالى ويستهين حتى على الخليفة أبي جعفر، رغم تحذيرات المقربين منه من تماديه، ظاناً في نفسه أنه قد امتلك القوة التي تعصمه. الخليفة العباسي فطن لخطورة أبي مسلم، وأنه بدأ يشكّل تهديداً لعرشه، فعمل على استدراجه إلى قصره حتى يتخلص منه.

دخل أبومسلم على الخليفة العباسي وقد أخذته العزّة بالنفس، مطمئناً إلى ما امتلكه من قوة وسطوة، ولكن نهايته كانت أسرع مما كان يتوقع، فقد سار بنفسه إلى حتفه حين تطاول على من هُم أعلى منه سلطة وحكمة، وانطبق عليه المثل القائل: 

إن الزرازير لمّا طار طائرها    توهّمت أنها صارت شواهينا

فالمعروف عن الزرازير أنها طيور صغيرة تخاف حتى من ظلها، أما الشواهين فهي فصيلة نادرة من الصقور الجارحة، وأسرعها على الإطلاق، وبالتأكيد لن يفلت منها أي زرزور طائراً أمامها. 

وفي ذلك قال شاعر:

وَمَنْ يَطِرْ بِجَنَاحٍ غَيْرِ صَالِحِهِ     يَسْقُطْ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الجَوَّ يَمْلِكُهُ

لا يُعْجِبَنَّكَ رِيشٌ طَارَ فِي صَعَدٍ     فَالرِّيشُ يُغْرِي الصُّقُورَ كَيْمَا تَهْلِكُهُ

وقال آخر:

تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لاَحَ لِنَاظِرٍ     عَلى صَفَحَاتِ المَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ

وَلاَ تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ     إِلَى طَبَقَاتِ الجَوِّ وَهْوَ وَضِيعُ

فرحم الله امرأً عرف قدر نفسه، ولم يتعدَّ حدَّه، فإن "مَن رَفَعَ نفسه فوق قَدْرها، وضَعَهُ الله تحت قَدْره".

back to top