الصوت الكويتي الحر
لم أعثر على دراسة أكاديمية للصوت الكويتي أثناء الاحتلال العراقي عام 1990، ولم نقرأ كتاباً توثيقياً شاملاً عن الإعلام الكويتي الصامت طوال 7 أشهر من الغزو، باستثناء دراسة الباحث صالح غزال العنزي بعنوان «الإعلام الكويتي أثناء الاحتلال»، بل قرأنا أكثر من رسالة جامعية حول جريدة النداء، التي أصدرها المحتل من داخل الكويت، والكيفية التي صاغ بها النظام البعثي مشروعه وتسويقه الخائب والدور الذي تؤديه الدعاية أثناء الحروب، وكيف تقوم الأنظمة الاستبدادية بهندسة الهوية الوطنية عبر وسائل الإعلام.
ونحن على أبواب الذكرى السادسة والثلاثين للحدث، وجدت أن الإضاءة على أقوى سلاح في معركة الصمود سطّرها الكويتيون، وهو الصحافة السرية والمنشورات التي واجهوا بها الترهيب والموت اللذين كان المحتل العراقي يلاحقهم بهما.
عندما دخلت جحافل النظام العراقي أراضي دولة الكويت، أول شيء أقدمت عليه هو تغييب الإعلام المحلي وإسكاته، فقصفت مبنى الإذاعة والتلفزيون، ثم احتلته، وتوقّف البث، ثم عاود لعدد محدود من الأيام.
وقد بقي صوت الكويت الحُر يرتفع في الداخل، وكانت الصحف والمنشورات السرية صفحة مشرّفة في سجلّ المقاومة.
ومن الأسماء الصامدة كان الزميل والصديق المرحوم سليمان الفهد، الذي أحسن صنعاً بتوثيقه كتابا نادرا جدا بعنوان «شاهد على زمن الاحتلال»، يروي فيه حكاية الصمود والإعلام وما كان يدور في بيوت أهل الكويت من مواقف بطولية وأعمال شبابية رافضة للاحتلال.
ينقل «أبونواف» كيف كان الإعلام الشعبي والعفوي محل اهتمام ومتابعة كل المرابطين، وبينما كانت الصحف العراقية والناطقة باسمه وحتى صحيفة النداء التي أصدروها توزّع مجانا وعبر نقاط السيطرة وغيرها، ومن دون أن تجد من يحفل بقراءتها، كانت الصحافة الشعبية السريّة حاضرة في المساجد والديوانيات والمنازل.
أولى الصحف السريّة التي صدرت أثناء الاحتلال كانت نشرة «الصمود الشعبي»، التي صدر العدد الأول منها بعد يومين من الغزو بتاريخ 5/ 8/ 1990، وكانت توزع في أنحاء الكويت، كما يقول د. غانم النجار، الذي أشرف على تحريرها وتصل إلى 20 ألف نسخة، وقد توقفت عن الصدور في شهر أكتوبر، بعد استشهاد عدد من الشباب الكويتيين بسبب توزيعها.
وتأتي نشرة «الصرخة»، الصادرة عن اللجنة الإعلامية بمنطقة كيفان كأهم المنشورات، حيث كانت تصدر 5 مرات في الأسبوع، واستمر صدورها نحو شهرين، وقد اضطرت للتوقف بسبب تزايد عدد المعتقلين الذين يعملون فيها، وقد صدر العدد الأول من «الصرخة» على يد سليمان الفهد وبدر الشيباني يوم 14/ 8/ 1990.
أما رئيس مجلس إدارة المسرح العربي، فؤاد الشطي، فقد أصدر خلال الاحتلال عدداً من النشرات والبيانات التي كانت توجَّه إلى عدد من الفئات، وهدفت إلى تفويت الفرص على العراقيين لدقّ الإسفين بين بعض الجاليات العربية والشعب الكويتي.
تعددت الصحف والنشرات التي مزّقت نظام الاحتلال، ومنها نشرة «DeeD» وكانت توزع على وكالات الأنباء العالمية، ونشرة بعنوان «القبس»، كما يشير الباحث صالح العنزي، وقد تولت المهمة الإعلامية نادية صقر رداً على احتلال العراقيين مبنى صحيفة القبس، بإصدارهم جريدة النداء من مكاتبها، وأصدرت فاطمة العيسى وهداية سلطان السالم نشرة «نساء وأطفال»، وصدر منها 24 عدداً يومياً.
وتبقى قصة «26 فبراير»، التي صدر العدد الأول منها في أول مارس 1991 من أكثر القضايا المثيرة للجدل، بسبب إيقافها، وهي أول صحيفة كويتية تصدر بعد التحرير مباشرة من داخل الكويت.