إيران... حين يصبح العرب ساحة الرد

نشر في 21-07-2026
آخر تحديث 20-07-2026 | 20:04
 د. بدر عثمان مال الله

سؤال يتكرر مع كل أزمة: لماذا كلما تعرضت إيران لضغوط أو ضربات عسكرية امتدت تداعياتها إلى دول الخليج؟ ولماذا يبرر النظام الإيراني استهداف محيطه العربي بذريعة وجود قواعد أميركية، بينما تتوزع هذه القواعد في دول كثيرة خارج الخليج؟ وإذا كانت إسرائيل هي «العدو الأول» في خطابه، فلماذا لا تتجه إليها كلفة المواجهة، بل إلى دول عربية لم تكن طرفاً في النزاع؟ 

منذ استيلاء نظام الملالي على السلطة عام 1979، جعل العداء لإسرائيل حجر الزاوية في خطابه الأيديولوجي، وقدمه مبرراً لتوسعه الإقليمي وبناء شبكة واسعة من الوكلاء، لكن السياسة لا تُقاس بالشعارات، بل باتجاه الأفعال، وعندما اختُبر هذا الخطاب في لحظات المواجهة ظهرت المفارقة؛ إذ لم تتحول الدول العربية إلى حلفاء في معركة يعلنها النظام ضد إسرائيل، بل أصبحت ساحات يدفع أمنها واستقرارها ثمن تلك المواجهة. والأخطر أن استهداف البيئة العربية ليس سلوكاً فرضته الأزمات الأخيرة، بل نمطاً متكرراً في السياسة الإيرانية، فمنذ عقود ارتبط المشروع الإيراني بتوسيع النفوذ عبر أدوات سياسية وعسكرية عابرة للحدود، وتحويل عدد من الساحات العربية إلى ميادين للصراع والضغط، لذلك فإن ما نشهده اليوم ليس استثناءً، بل امتداداً لمسار طويل جعل الأمن العربي أحد أهم أوراق التفاوض والمساومة. وفي كل موجة تصعيد، تتعرض الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة وأمن الخليج للتهديد، بينما تتجنب إيران الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل، إدراكاً منها لتفوقها العسكري والاستخباراتي والدعم الأميركي الذي تحظى به. 

وهنا يتكشف منطق الحسابات، فالمعيار ليس العقيدة المعلنة، بل ميزان القوة وبقاء النظام، وتتجلى المفارقة الأخلاقية في أن النظام الذي يرفع شعار نصرة المستضعفين، لم يتردد في تحويل دول عربية وإسلامية إلى ساحات للصراع، ودفع شعوبها لتحمل كلفة نزاعات لا علاقة لها بمصالحها الوطنية، وبدلا من احترام سيادة الجوار أصبحت هذه الدول أوراق ضغط تستخدم كلما اشتدت الضغوط على طهران، بما يكشف أن المشروع الإيراني يستهدف توسيع النفوذ أكثر مما يستهدف مواجهة إسرائيل. 

إن الاعتداء على أمن الخليج لا يمثل خلافاً سياسياً، بل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما أن تهديد الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة يطال الاقتصاد العالمي بأسره، ويقوض استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، لذلك لم يعد أمن الخليج قضية دفاع عن حدود فحسب، بل دفاع عن النظام الإقليمي وسيادة دوله، ويقتضي على دول الخليج التمسك بالشرعية الدولية، وتعزيز الردع الجماعي، وتوحيد الموقف الخليجي والعربي، وبناء جبهة داخلية قادرة على مواجهة الضغوط الأمنية والإعلامية والاقتصادية. 

لقد أثبتت التجربة أن الأنظمة تُعرف بأفعالها لا بشعاراتها، ومن يجعل أمن العرب ساحة لتصفية حساباته، بينما يؤجل مواجهة من يصفه بعدوه الأول لا يقود مشروع تحرير، بل مشروع نفوذ وهيمنة، فالتاريخ لا يحفظ الشعارات، بل يسجل اتجاه الصواريخ؛ وحين تتجه إلى العواصم العربية أكثر مما تتجه إلى العدو المعلن تصبح الوقائع أبلغ من الخطاب.

back to top