ريستارت للحياة: الأزمات لا تضرب الجميع بالعدل

نشر في 20-07-2026
آخر تحديث 19-07-2026 | 20:19
 أميرة الحسن

في خضم التحولات الجيواقتصادية التي تعيد رسم خريطة المصالح وموازين الاقتصاد في الشرق الأوسط، لم تعد الحروب مجرد صراعات تُدار في الميدان، بل صدمات كبرى تكشف صلابة الدول، ومناعة اقتصاداتها، وعدالة سياساتها. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا تتحول الحرب، في نهاية المطاف، إلى فاتورة يدفعها من لم يشارك في قرارها، ولم يملك حق الاعتراض على كلفتها؟

الحرب، في جوهرها الاقتصادي، ليست مجرد صراع على أرض أو نفوذ، بل إعادة قسرية لتوزيع الخسائر. فهناك دول تملك احتياطيات قوية، ومؤسسات مالية راسخة، وصناديق ثروة تُدار وفق معايير حوكمة متقدمة، قادرة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية. وفي المقابل، هناك اقتصادات تكسرها موجة تضخم واحدة، أو اهتزاز في سعر العملة، أو اضطراب في سلاسل الإمداد. وبين هذا وذاك، يقف الإنسان أمام معادلة قاسية: لا يصنع الحرب، لكنه يكتشف آثارها في راتبه، ومدخراته، ودوائه، وتعليم أبنائه.

وفي الخليج العربي، تكتسب هذه المعادلة بعداً أكثر حساسية. فالخليج ليس مجرد جغرافيا نفطية، إنما مركز حيوي لأمن الطاقة العالمي، ومفصل أساسي في حركة التجارة والملاحة والاستثمار، لذلك فإن أي اضطراب في محيطه لا يبقى حدثاً أمنياً معزولاً، بل يتحول سريعاً إلى كلفة شحن أعلى، وتأمين أغلى، وقلق في الأسواق، وضغط على سلاسل الإمداد، وتردد في قرارات الاستثمار.

غير أن دول الخليج لم تعد تقرأ الأزمات بمنطق رد الفعل، بل بعقل الدولة التي تعرف ثقل موقعها وحساسية دورها، فالتهدئة ليست تراجعاً، والحوار ليس ترفاً، والدبلوماسية ليست لغة مجاملة، بل أدوات استراتيجية لحماية الموانئ من التعطل، والأسواق من الارتباك، والطاقة من التهديد، والمجتمعات من كلفة الاشتعال. فكل مبادرة تمنع اتساع النزاع هي حماية للموازنة، وصون للمشروع التنموي، وتحصين لمستقبل الأجيال من أن يُرهن لصدمات لم يصنعها.

ولم تكتفِ دول الخليج ببناء مناعتها الوطنية، كلٌ على حدة، بل أدركت مبكراً أن التكامل الاقتصادي بينها هو خط الدفاع الأعمق في مواجهة عواصف الإقليم. فمجلس التعاون لم يعد إطاراً سياسياً جامعاً فحسب، بل تحول إلى منظومة تنسيق مالي وتجاري واستثماري، تمنح الدول الأعضاء قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، وتخفيف كلفة الأزمات، وتعزيز حضورها ككتلة اقتصادية أكثر تماسكاً في مواجهة تقلبات العالم.

والأخطر أن كلفة الحروب لا تُقرأ في المؤشرات المالية وحدها، بل في اهتزاز الثقة داخل المجتمع. فحين يلتهم التضخم المدخرات، وتضغط البطالة على طموح الشباب، وتتراجع جودة الخدمات تحت ضغط الميزانيات، لا نكون أمام أزمة اقتصادية عابرة، بل أمام تصدع في العقد الاجتماعي. ومن هنا تبرز الحكمة الخليجية: أن العدالة الاقتصادية ليست ترفاً نخبوياً، بل ركيزة للأمن الوطني، وضمانة للاستقرار الداخلي، وخط الدفاع الأول عن مستقبل الدولة.

في النهاية، لا تختبر الأزمات قوة الاقتصاد وحده، بل تختبر عدالة الدولة وصلابة قرارها، فالدول الرشيدة لا تُقاس بقدرتها على تجاوز العواصف فحسب، بل بقدرتها على منع الفئات الأضعف من التحول إلى كلفة صامتة في دفاتر الخسائر. وهنا تتجلى الحكمة الخليجية في بناء حصانة تنموية تحمي الإنسان أولاً، وتصون أحلام الشباب، وتمنع أن يُدفع ثمن الحروب من رصيد الأجيال القادمة.

* صحافية بحرينية 

back to top