بين رعونة العدوان وحكمة الكويت
لم تكن الكويت يوماً دولة عدوانية، ولم تُبنَ سياستها الخارجية على منطق التهديد أو الاستعلاء، بل على قيم السلام، واحترام السيادة، وحسن الجوار، والاحتكام إلى القانون الدولي. غير أن التاريخ يضع أحياناً الدول المسالمة أمام جيران لا يرون في العلاقات بين الدول إلا ساحة لاستعراض القوة والابتزاز.
وما يصدر عن النظام الإيراني من تجاوزات متكررة لا يمكن تفسيره بوصفه دفاعاً عن النفس، بل باعتباره تعبيراً عن عقلية لا تؤمن بالقانون، ولا تعترف بحقوق الجوار، ولا ترى في الاستقرار الإقليمي إلا عائقاً أمام مشروعها التوسعي.
وحين يصبح احترام القانون استثناءً، تتحول الجغرافيا من نعمة الجوار إلى عبء التهديد. إن الدول التي تحترم نفسها تدرك أن الشرعية الدولية ليست خياراً سياسياً، بل الأساس الذي تنتظم به العلاقات بين الدول. إلا أن النظام الإيراني اختار منذ قيامه نهجاً مختلفاً يقوم على تصدير الثورة، والتدخل في شؤون الآخرين، واستخدام الأذرع غير الرسمية لفرض النفوذ وزعزعة الاستقرار.
وهذه الممارسات لا تمثل مجرد أخطاء سياسية، بل انتهاكاً صريحاً لمبادئ السيادة وعدم التدخل التي يقوم عليها النظام الدولي. والمفارقة أن هذا السلوك يُقدَّم أحياناً باعتباره دليلاً على القوة، بينما يعكس في حقيقته عجزاً عن بناء دولة تقوم على التنمية والشراكة والاحترام المتبادل.
فحين تعجز الدولة عن اكتساب النفوذ بالإنجاز، تلجأ إلى صناعة الخوف. ومن يستبدل التنمية بالتصعيد، والقانون بالابتزاز، لا يراكم القوة، بل يبدد شرعيته ويغرق في رعونة استخدام القوة. ولا تكمن المشكلة في حادثة بعينها، بل في البنية الفكرية والسياسية التي تحكم هذا السلوك. فالعقلية الراديكالية لا تؤمن بالدولة الوطنية بوصفها إطاراً للسيادة والتنمية، بل بمشروعات عابرة للحدود تتقدم فيها الإيديولوجيا على مصالح الشعوب.
لذلك تبدو طهران منشغلة بتفكيك استقرار محيطها أكثر من انشغالها ببناء نموذج ناجح يُحتذى. وكانت النتيجة شعباً يرزح تحت الأزمات والعزلة، ودول جوار تستنزف مواردها في مواجهة القلق، ومنطقة تُحرم من فرص التنمية بسبب دوامة التوتر.
ومن يجعل الفوضى أداة للنفوذ، فسيكتشف متأخراً أن النار التي يشعلها حوله ستصل إلى بيته. وفي مواجهة هذا السلوك، لم تنحدر الكويت إلى لغة الانفعال، ولم تستبدل منطق الدولة بمنطق الضجيج، بل اختارت طريق القانون والشرعية الدولية. فلجأت إلى المؤسسات الدولية، وتحركت عبر الأطر العربية والدبلوماسية، مؤكدة أن الاعتداء على سيادتها ليس حادثاً عابراً، بل هو مساس بمبدأ أساسي في النظام الدولي.
وهكذا أثبتت أن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها أو قدراتها العسكرية وحدها، بل بصلابة موقفها، ونُبل أدواتها، وقدرتها على تحويل الشرعية إلى مصدر قوة. فالكويت، وإن كانت صغيرة في الجغرافيا، أثبتت أنها كبيرة في الوعي السياسي، وأن الحكمة ليست ضعفاً، بل أرقى صور الثقة بالدولة ومؤسساتها. وحين يعلو صخب التهديد، يكفي أن تتحدث الكويت بلغة القانون لينكشف الفرق بين دولة تحمي حقها، ونظام يبدد ما تبقى من شرعيته.
أما الكويت، فستبقى كما عرفها التاريخ، دولة لا تبدأ عدواناً، لكنها لا تساوم على سيادتها، ولا تتنازل عن حقها، وتعرف كيف تواجه الرعونة بالحكمة، والابتزاز بالشرعية، والتهديد بثبات الدولة. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضاً الإيمان بالحق، والتمسك بالقانون، والقدرة على الوقوف شامخة أمام معتدٍ يسقط في هاويةِ فوضى صنعها لنفسه.