إصلاح التعليم لا تطويره
قضية التعليم لم تعد قضية مناهج أو امتحانات أو إجراءات إدارية متفرقة، بل أصبحت قضية حضارية تحدد مستقبل الأمم وقدرتها على المنافسة والتأثير، ومن هذا المنطلق توضح هذه المقالة أن ما يواجه التعليم ليس نقصاً في محاولات التطوير، وإنما غياب مشروع إصلاحي شامل يعيد بناء النظام التعليمي من جذوره، «فتطوير» التعليم يرمم نموذجاً تقليدياً قديماً، أما «إصلاحه» فيكون ببناء نموذج جديد أكثر قدرة على صناعة إنسان قادر على فهم معطيات العصر ومواجهة تحدياته، والتعليم حين يفقد قدرته على فعل ذلك تضعف فاعلية الإنسان في التنمية وتصبح جهود التنمية مجرد دوران في الحلقة ذاتها.
وقد حققت الكويت عبر عقود إنجازات مهمة في تعميم التعليم والإنفاق عليه، وأسهمت منظومتها الثقافية في ترسيخ مكانتها الإقليمية، غير أن التحولات العالمية أثبتت أن مؤشرات التعليم الكمية لم تعد معياراً حقيقياً لجودة التعليم. فجودة التعليم ليست بعدد المدارس أو الكثافة الفصلية أو حجم الإنفاق، وإنما بقدرة النظام التعليمي على إنتاج المعرفة وتنمية التفكير وإعداد الإنسان الفاعل، ومن هنا برزت الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية وسوق العمل، لأن محاولات التطوير بقيت حبيسة النموذج التقليدي الذي استنفد طاقته ولم يعد قادراً على صناعة التحول المنشود، فلا نهضة بلا تعليم جديد، ولا تعليم جديد بنموذج قديم.
إن «تطوير» التعليم يختلف كلياً عن «إصلاحه»، فالأول يحاول تطوير نموذج قديم فقد فاعليته، بينما الثاني يركز على بناء نموذج جديد يتسق مع الحداثة، فالمؤسسات لا تتقدم حين تغيّر أدواتها فقط، بل حين تغيّر طريقة تفكيرها. يقوم إصلاح التعليم على ركيزتين متكاملتين، الأولى إعادة تنظيم إدارة قطاع التعليم عبر ترشيق وزارة التربية، وتعزيز استقلالية الهيئات المختصة برسم السياسات والتقويم والبحث العلمي، بما يحد من البيروقراطية ويعزز التنافسية والحوكمة، والثانية تتمثل في الانتقال من فلسفة «التعليم» القائمة على التلقين إلى فلسفة «التعلّم» القائمة على الاكتشاف الذاتي، بحيث يصبح الطالب محور العملية التعليمية، ويتحول المعلم إلى موجه ومحفز، وتغدو المناهج أدوات لبناء التفكير لا مستودعات للمعلومات.
ويستلزم هذا التحول مراجعة شاملة للمناهج وأساليب التدريس والإدارة المدرسية، مع تقليص الحفظ والواجبات التقليدية لمصلحة تنمية التفكير النقدي والإبداع والبحث والعمل الجماعي والانفتاح على التقنيات الحديثة. إن تطوير المناهج لن يؤتي ثماره دون إعداد معلم محترف، قادر على قيادة بيئة تعلم حديثة تستجيب للتغيرات المتسارعة، فجوهر الإصلاح ليس في الكتب وحدها، بل في الإنسان الذي يصنع المعرفة وينقلها، والمعلم المتميز هو الاستثمار الذي لا يعرف الخسارة. إن الانتقال لنموذج جديد للتعليم عملية شاقة، وربما يصعب على منظري تطوير التعليم التقليدي «هضم» هذا النموذج أو فهمه، ففي هذا النموذج يتحول المعلم من «مُلقِّن» إلى «مُرشد» (mentor)، والإدارة المدرسية من «سُلطة إدارية» إلى «إدارة مشتركة مع الطالب»، والمنهج من «معلومات» إلى «مقاربة للتعلّم»، والواجبات المدرسية «تُلغى» لمصلحة الواجبات الأسرية والمجتمعية والخبرات الحياتية لكي يكون للطالب متسع من الوقت لها.
هنا يتحول «التعليم» إلى «تعلّم»، ويكون الطالب في قلب العملية التعليمية لا على هامشها. إن إصلاح التعليم مشروع وطني طويل المدى، لا ينجح بالمحاولات المجزأة للتطوير ولا بالمبادرات المؤقتة، بل بخطة استراتيجية متكاملة تتكامل مع الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، وتؤسس لثقافة المواطنة، وسيادة القانون، واحترام التنوع، وإطلاق طاقات العقل والإبداع. إن بناء نموذج جديد «للتعلّم» قد لا يحل جميع مشكلات التعليم فورا، لكنه يهيئ الأرضية التي تجعل علاجها ممكناً ومستداماً. فالأمم التي تملك القدرة على إصلاح تعليمها، تملك في الحقيقة مفاتيح صناعة مستقبلها، وترسم بوعيٍ مسار نهضتها واستدامة تقدمها، والكويت تملك هذه القدرة.