السلسلة الهيكلية... اختلال يُفضي لآخر
سلسلة من الاختلالات الهيكلية، حلقة تُفضي إلى أخرى، وأصعب حلقاتها ليست تلك التي تظهر في الأزمات، بل تلك التي يعيد الاقتصاد إنتاجها بحكم نموذجه. فالمعضلة التي تواجه اقتصادنا الوطني ليست في محدودية الثروة، بل في النموذج الاقتصادي الذي يديرها.
فعلى مدى عقود، بُني هذا النموذج على تدفُّق الإيرادات النفطية إلى المالية العامة، ثم إعادة ضخّها في الإنفاق الجاري والاستهلاك، دون أن يتحول الجزء الكافي منها إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.
ومع الوقت، تشكّلت بنية اقتصادية تعتمد على النفط لتمويل الواردات، وعلى الدولة لتحريك النشاط الاقتصادي، وعلى الإنفاق أكثر من الإنتاج في توليد النمو، وأصبحت هذه الدورة جزءاً من طريقة عمل الاقتصاد ذاته.
وحين يرتبط النمو بالإنفاق النفطي لا بالإنتاج الحقيقي، فإن الاختلالات البنيوية تكون نتيجة طبيعية.
وأول هذه الاختلالات يكمن في هيكل الناتج المحلي، حيث يُهيمن النفط على الاقتصاد، فالإيرادات النفطية تمثّل أكثر من 90 بالمئة من الإيرادات العامة، فيما تشكّل الصادرات النفطية النسبة الأكبر من إجمالي الصادرات.
وفي المقابل، تبقى مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى محدودة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي يرتبط بأسعار النفط أكثر من ارتباطه بالإنتاج الحقيقي داخل الاقتصاد، والاعتماد على مورد واحد للنمو، يُبقى الاقتصاد رهينة لتقلباته.
أما الاختلال الثاني، فيظهر في هيكل الميزان التجاري، فرغم تحقيق فوائض تجارية كبيرة بفضل الصادرات النفطية، فإن الجزء الأكبر من الاستهلاك المحلي يعتمد على الواردات، إذ تُقدّر الواردات السنوية بما بين 12 و15 مليار دينار، تشمل الغذاء والسلع الصناعية والخدمات والمعدات.
وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الدخل النفطي يُعاد ضخّه إلى الخارج عبر الاستيراد، بدل أن يتحول إلى إنتاج محلي وقيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني. والاقتصاد الذي يستورد معظم احتياجاته، يظل مكشوفًا أمام الخارج مهما بلغت فوائضه.
ويتصل بذلك اختلال ثالث في سوق العمل، فالقطاع الحكومي لا يزال رب العمل الأكبر للمواطنين، فيما يعتمد القطاع الخاص بصورة واسعة على العمالة الوافدة المنخفضة التكلفة. ونتيجة لذلك، تضخمت فاتورة الرواتب الحكومية لتتجاوز 12 مليار دينار سنوياً، دون أن يقابل ذلك نمو موازٍ في الإنتاجية.
كما أدى هذا النموذج إلى فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، وإلى ضعف جاذبية القطاع الخاص للمواطنين. وحين يصبح التوظيف أداة توزيع دخل أكثر من كونه إنتاجًا، تتراجع كفاءة الاقتصاد تدريجياً. أما الاختلال الرابع، فيكمن في المالية العامة، حيث تهيمن المصروفات الجارية على الجزء الأكبر من الموازنة، خصوصاً الرواتب والدعوم والتحويلات، مقابل محدودية الإنفاق الرأسمالي والإنتاجي. ومع كل ارتفاع في أسعار النفط، يتوسع الإنفاق الجاري، بينما يتراجع الضغط نحو الإصلاح المالي والاقتصادي. وعند أي انخفاض في الأسعار، تعود المخاوف المتعلقة بالعجز والاستدامة المالية إلى الواجهة. ولا تقف الاختلالات عند ذلك، بل تمتد إلى ضعف القاعدة الإنتاجية المحلية. فمساهمة الزراعة والثروة الحيوانية وصيد الأسماك لا تتجاوز نحو 5، . بالمئة من الناتج المحلي، بينما تبقى الصناعة التحويلية محدودة مقارنة بحجم الاقتصاد.
وفي المقابل، تتسرب نسبة كبيرة من السيولة إلى الخارج عبر الواردات وتحويلات العمالة الوافدة التي تُقدّر بمليارات الدنانير سنويًا. والاقتصاد الذي يستهلك أكثر مما يُنتج، يعيد تصدير جزء من ثروته بدل أن يعيد تدويرها داخلياً. إن أصعب ما في هذه السلسلة الهيكلية أنها تعيد إنتاج نفسها تلقائياً، النفط يموّل الإنفاق، والإنفاق يقود الاستهلاك، والاستهلاك يرفع الواردات، والواردات تُخرج السيولة إلى الخارج، بينما يبقى الإنتاج المحلي محدوداً. ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من التقشف فقط، بل من إعادة بناء العلاقة بين النفط والإنتاج، وبين الدولة والاقتصاد، وبين الإنفاق والنمو الحقيقي. إن النمو والتنمية لا يتحققان حين نستهلك الثروة، بل حين نحوّلها إلى قدرة إنتاجية مستدامة.