بعد انقشاع الدخان... الخليج ينتصر بالوعي

نشر في 26-06-2026
آخر تحديث 26-06-2026 | 12:46
 أميرة الحسن

الآن، وبعد أن انقشع غبار المواجهة التي لم تكن حرباً بالمعنى التقليدي، ولا سلماً بالمعنى المأمول، بات ممكناً قراءة نتائجها بما هو أعمق من ضجيجها. فما شهدته المنطقة لم يكن مجرد فصل عابر في صراع قديم، بل اختبار كاشف للنوايا، ومحاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة، واستدراج الخليج إلى حرب لا تشبه مصالحه ولا تخدم مستقبله.

فالمتأمل في المشهد يرى أن الأطراف التي سعت إلى جر الخليج إلى مستنقع الحرب خرجت منهكة استراتيجياً ومعنوياً. فإيران، التي راهنت على استعراض القوة وسرديتها النووية ومناورات مضيق هرمز لرفع سقف المساومة وفرض معادلات جديدة على المنطقة، وجدت أمامها خليجاً لا يُدار بالتهديد، ولا يذعن للوعيد، ولا يختزل أمنه في ملف نووي متجدد أو ممر بحري مضطرب. وامتد الفشل إلى مشروع ولاية الفقيه الأوسع، بعدما كشفت المواجهة أن أدواته التقليدية من التلويح والابتزاز فقدت كثيراً من فاعليتها أمام خليج يقرأ المشهد قبل أن ينفعل به.

وفي المقابل، لم ينجح الرهان على استثارة الخليج أو إعادة تشكيل أولوياته الأمنية وفق تصورات الآخرين. فقد اختارت دول الخليج مساراً أكثر اتزاناً، يقوم على إدارة التوتر لا الانجرار إليه، وعلى حماية القرار الاستراتيجي لا تسليمه لمنطق الاستقطاب. وبذلك سقطت محاولة تحويل الخليج إلى جبهة مفتوحة، أو ورقة قابلة للتوظيف في صراعات لا تصنعها إرادته.

أما الهدن الملتبسة، التي كانت تُعلن ثم تتبدد دون وضوح، فلم تكن سوى مسكنات سياسية ضمن حالة جمود متحرك؛ لا حرب شاملة ولا سلام مستقر. وكذلك مضيق هرمز، الذي استُدعي كلما أُريد رفع منسوب القلق العالمي، لم يعد كافياً لإرباك القرار الخليجي، لأن أمن الخليج لا يقف عند ممر بحري، بل يستند إلى وعيٍ استراتيجي يدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فتح المضيق أو إغلاقه، بل في أن يُنتزع من الخليج حقّه في تعريف أمنه، وأن تُصاغ مصالحه في غرفٍ لا يجلس على طاولتها.

ولعل النتيجة الأعمق أن الأزمة لم تكشف تماسك الخليج وحده، بل كشفت حدود قوة من اعتادوا تقديم أنفسهم صانعي معادلات المنطقة، فقد انتهى الضجيج العسكري، والتلويح بالمضائق والملفات النووية، إلى حقيقة واضحة: إشعال الأزمات لا يعني امتلاك نتائجها، ورفع التوتر لا يعني القدرة على رسم ما بعده.

لقد خسر من راهنوا على تفريق الخليج ما كانوا يبتغونه. لم يحدث التفريق، ولم يتحقق الاستنزاف، ولم تُفرض معادلات ولاية الفقيه على المنطقة. بل تحولت أوراق النووي وهرمز والهدن المتعاقبة إلى دلائل على حدود القدرة أمام خليج أكثر تماسكاً، يعرف متى يصمت، ومتى يتحرك، ومتى يترك خصومه ينكشفون أمام تناقضاتهم.

لذلك لم تكن الخسارة الحقيقية للخليج، بل لمن ظنوه رهينة صراعاتهم، فقد خرج من هذه المعركة الصامتة أكثر وعياً وثباتاً، لا بقوة الصواريخ وحدها، بل بحكمة القرار، ووحدة الموقف، والقدرة على كشف اللعبة قبل أن تكتمل فصولها.

في السياسة، ليست الغلبة لمن يطلق النار، بل لمن يجعل نار الآخرين تلتهم خرائطهم قبل أن تقترب من حدوده.

اللهم احفظ خليجنا، واجمع كلمته، وصُن أمنه، واجعل وحدته حصناً لا يُكسر، ورايته عزةً لا تنحني، وسلامه نوراً لا ينطفئ.

* إعلامية بحرينية 

back to top