نساء «كاف»

نشر في 26-06-2026
آخر تحديث 25-06-2026 | 18:34
 سليمان البسام

واظب المواطن «كاف» على مهامه الدموية في قطع أصابع الناس. ورغم صعوبة وبشاعة المهام إلا أن «كاف» كان يراها من صميم واجباته كمدير لمصنع الأصابع الصناعية، بل وانه يؤدي واجبه في تنمية الاقتصاد الوطني. لم يكن «كاف» مجرد منفّذٍ بارع، بل كان أيضاً من طليعة المؤمنين بالمنتَج، فهو من أوائل من فقدوا أصابعهم، ويشهد — عن تجربة شخصية — بأن الأصابع الصناعية أكثر احتمالاً لحرارة سِكّان السيارة في عز الصيف، وأقدَر على فتح معلبات الفول، وأجدى في حالات الدفاع عن النفس، وتربية النشء وحل الخلافات الزوجية فطراق من الأصابع الصناعية ليس كطراق من اللحم الطري.

في بدايات مشروعه، وعملاً بتوصية العميل النتن شلومو دشن «كاف» مسيرته مع أمه. اعترضت والدته بشدة قائلة إنها لو فقدت أصابعها الأصلية فلن تعود قادرة على تلمس شعر ابنها. فذكّرها «كاف» -بكل محبة- بأنه أصلع ثم بتر أصابعها، إلا أن شدة بكائها دفعته إلى زيارة سوق الذهب وشراء كفوف ذهبية لها.

بعد ذلك حاول «كاف» توسيع قاعدة زبائنه، فاختار ذات مساء شاباً من الفريج، بدا له مناسباً من حيث البنية، وقابلاً -في تقديره- للفكرة فاستوقفه وهو خارج من المسجد، وأخرج عدّته، وأبلغه ببراءته المعهودة أن المسألة لن تستغرق سوى دقائق، وأن النتائج ستكون مشجعة على المدى الطويل، إلا أن الشاب لم يُشارك «كاف» رؤيته التقدمية، إذ شتمه أولاً، ثم ركله، وضربه على رأسه، قبل أن يطارده حتى آخر الشارع وهو يصيح: «اقطع أصابع أمك أول!»، فعاد «كاف» إلى بيته ممزّق الدشداشة، ممتهَن الكرامة، واستنتج أن بعض الشرائح ما زالت غير مهيأة لتقبل الحداثة - وتحديداً الذكور دون سن الرشد.

بعد مجموعة من التجارب الميدانية كهذه، توصّل «كاف» إلى قناعة علمية مفادها أن النساء أكثر تقبلاً لرسالته من الرجال، فهنّ أحرص على الستر، وأقل ميلاً إلى الفضيحة، وأسرع مبادرةً إلى تعويض أصابعهن المبتورة بشراء البديل الصناعي قبل أن يشقّ الخبر طريقه عبر المجتمع. ومن هنا، خصّ «كاف» النساء بعنايته، وصار يتعقّبهن بعد خروجهن من الصالونات، والجامعات، والجمعيات، وأماكن العمل.

كان «كاف» يفضّل أداء مهامه في الأماكن العامة لا في الظلام تجنباً لسوء الفهم والتأويلات الرخيصة. فحين يتنكر بزي عامل النظافة كانت مواقف السيارات من أحبّ المواقع إلى نفسه، وعندما يتنكر بزيّ رجل أمن تراه واقفاً عند إشارات المرور... هناك، في الهواء الطلق، وتحت نظر الجميع، كان يشعر أن عمله عمل وطني جبار، وأن نتائجه سيتغنى بها التاريخ.

وبهذه الطريقة وبفضل حماسه، وسرعة يده، وتفانيه، تجاوز الطلب على الأصابع الصناعية قدرة المصنع على الإنتاج، فأصبح «كاف» -وشركاؤه «المدام» والعميل النتن شلومو- من كبار تجار القوم حتى فاقت أموالهم أحلامهم وأفسدت نفوسهم، وبدأت علامات الشقاق تظهر بينهم.

back to top