عقيل يعيد لنا وجهاً آخر لفهد العسكر

نشر في 24-06-2026
آخر تحديث 23-06-2026 | 18:27
 حمزة عليان

ما إن تذكر اسم فهد العسكر حتى يظهر لك شاعر متمرد غنّت قصائده أجيال من أهل الكويت والخليج وحفظوها عن ظهر قلب.

البعض شبّهه بالمتنبي، وآخرون وضعوه في قائمة الشعراء العرب الكبار، بعيداً عن أولئك الذين نظروا إلى أشعاره من بوابة التزمُّت والتشدد الديني وغير الأخلاقي.

عقيل عيدان كاتب متحرر من التزامات تقيّد فكره وتحدّ من عطائه، خاض عدة تجارب بالتأليف، لديه مشروعه بالنقد الحر والفكر العقلاني، أحدث إصداراته كتاب «معصية فهد العسكر»، ذلك الشاعر الكويتي المتمرد على بيئته وصاحب النظارة السوداء والنحيل إلى حد الاختفاء.

وبحُكم دراسة عيدان وتخصصه بالفلسفة، ربط بين العسكر والوجودية في الوعي الكويتي، وعلى قاعدة «أنا أتمرّد إذاً أنا موجود».

كثيرة هي الآراء بحقّ فهد العسكر، أكثرها جذباً ما قاله شاعر الخليج خالد الفرج بحقه، واصفاً إيّاه «لو لم يكن للكويت إلّا المرحوم فهد العسكر لكفى».

رأى فيه أستاذ الأدب والنقد محمد حسن عبدالله أنه يمثّل الجيل الثالث من حيث الاهتمام بشعر العسكر، بعد كتابَي عبدالله زكريا الأنصاري ود. نورية الرومي، لأنّ عقيل عيدان يتحرك في خطين هما: تقريب مفاهيم الفلسفة الوجودية والسيرة التكوينية لفهد العسكر، هدف الكتاب تقديم تكملة وتوسعة وإنارة لجزء لافت من تاريخ الوعي في الكويت.

تحت عنوان «وجودية فهد العسكر»، يغوص عيدان في بحور فلسفية، ويقرأ شعره من زوايا فكرية مختلفة وجدتُ فيه ناقداً متمرساً استطاع أن ينقلنا، بمهارة، إلى عوالم جديدة في حياة الشاعر.

ملامح مؤثرة وخاطفة تلك التي استوقفتني من قصائد غير «أخلاقية»، أولئك الذين يصفون شعره بتلك العبارة، غالبا هو حُكم انفعالي متسرّع يصدر من الذين يبحثون الأمور بشكل عابر تعوزهم الدقة والروّية والفهم.

وجودية العسكر، كما يراها عقيل، أتت من كونه لم يكتب قصائده من أجل التسلية، بل من أجل تعميق ووصف مصير أبناء جلدته من الكويتيين وأهل منطقته عموماً، للكشف عن معنى الحرية والشجاعة والواجب.

بالنسبة إلى فهد العسكر، كان السؤال الأكثر إلحاحاً هو معنى الوجود، وهو سؤال ليس مجرّدا، بل مهمّ لكل البشر حول كيفية العيش الراهن.

لقد قرأ عقيل شعر العسكر مرارا وتكرارا، وكان يسأل نفسه: ما الذي يجذبه إليه؛ هل هو جمال اللغة أم حكمة الوعي والتجربة، يأس الذات أم شعر الغضب؟، على الأرجح كل ذلك، فقد أضاء له تلك الروح الحرّة والاستقلال، وتلك الشخصية التي لا تخنع ولا تتسامح مع كل قيد وعبودية.

إن شعر فهد العسكر تجربة أصيلة عن معنى الحياة والحقيقة والسعادة وخيبة الأمل والغربة والشقاء، إنه يتحدث عن وحدته في المجتمع المحافظ الضيّق على الفرد الحر... وعن الأشخاص المقنعين بلا روح.

لم يمحُ الموت وجه الشاعر فهد العسكر، فقد أعاده لنا عيدان بصورة لم نعهدها، فهو حاضر دائما بيننا.

شكرا للسيدة ريم الشرهان التي قدّمت لي كتاب «فهد» هدية رائعة وبعبارة أجمل بأن كل حقبة ولها حكايتها.

back to top