من صيد الخاطر: «يَا طَبيبُ طِبَّ لنَفْسِكَ»
«يَا طَبيبُ طِبَّ لنَفْسِكَ»... مثَلٌ عربي قديم يُقال لمن يدّعي علماً لا يحسنه، ويُضرب كمَثَلٍ يُقال لمن يَعِظُ الناسَ ويُقدّم لهم النصائح، شاغلاً نفسه بإصلاح عيوب الآخرين، وتاركاً عيوبه.
الله سبحانه وتعالى وَبَّخ مَن يأمر بالبرّ وينسى نفسه، في قوله: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»، وفي قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ».
أما الرسول، ﷺ، فقال في ذلك قولاً لا لبس فيه: «يُؤْتَى بالرَّجُلِ يَومَ القِيامَةِ، فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتابُ بَطْنِهِ (أمعاؤه)، فَيَدُورُ بها كما يَدُورُ الحِمارُ بالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يا فُلانُ، ما لَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بالمَعروفِ وتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فيَقولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بالمَعروفِ ولا آتِيهِ، وأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ». وقال: «رأيتُ ليلةَ أُسْريَ بي رجالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهم بِمَقَارِيضَ من نارٍ، فقلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ من أهلِ الدنيا، الذين يَأْمُرُونَ الناسَ بالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وهم يَتْلُونَ الكتابَ أفلا يَعْقِلُونَ».
الخلفاء الراشدون قالوا قولهم في ذلك، فسيدنا الصديق أبوبكر، رضي الله عنه، قال عند توليه الخلافة: «أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».
سيدنا عمر الفاروق، رضي الله عنه، كان إذا أراد أن ينهى الناس عن أمرٍ ما، جمع أهله وخاصّته أولاً وقال لهم: «إني قد نهيتُ الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطيرُ إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحداً منكم فعل ما نهيت الناس عنه إلّا أضعفتُ له العقوبة».
سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكرّم وجهه، كان يوجّه كلماتٍ قاسية لكل مَن يشتغل بإصلاح عيوب الآخرين ويترك عيوب نفسه، فقال في ذلك في إحدى خطبه: «أيها الناس، إنّي والله لا أحثّكم على طاعةٍ إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصيةٍ إلا وأتناهى قبلكم عنها».
وهناك بيت شعر شهير منسوب لأبي الأسود الدؤلي، قال فيه:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ
هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ؟
أما أبوالعتاهية، فأبدع بقوله:
وَأَراكَ تُصلِحُ بِالرَشادِ عُقولَنا
أَبَداً وَأَنتَ بِمُفسِدٍ لا تُصلِحُ
وَتَعِظُنا بِالفِعلِ مِنكَ كَأَنَّما
تَعني بِذاكَ سِوانا أو تَمزَحُ
وقال غيره:
وَلَا تَدَّعِ مَا لَيْسَ فِيكَ
فَإِنَّمَا يُدِلُّ بِمَا فِيهِ الرَّجُلْ
فهي كلها أبيات شعر قديمة أجمعت فأبدعت وأوجزت بكلمات جميلة وواضحة في وصف وذمّ مَن يدّعي الحكمة والصلاح، وهو أصلاً لا يملكهما، فهو «يَرَى القَذَى فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَلا يَرَى الجِذْعَ فِي عَيْنِهِ»، فإنّ «مَنْ تَزَيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، شَانَهُ اللهُ».