قصة جيفري إبستين لا تنتهي بموته... بل تبدأ منه
كيف يتحول مستشار مالي إلى نقطة تقاطع بين مليارديرات ورجال سياسة كبار وأكاديميين؟ وكيف يصبح الصمت عملة اجتماعية والمكان أداة نفوذ والعلاقات غير المعلنة، شبكة تحمي نفسها بنفسها؟!
أسئلة وجدت الإجابة عنها في كتاب صادر حديثاً بعنوان «جيفري إبستين... الملفات المعلنة والشبكات الخفية»، ترجمة صادق الطائي صادر عن دار لندن للطباعة والنشر.
هل كان إبستين حالة استثنائية، أم نموذجاً مكثفاً لآليات خفية تعمل داخل بنية السلطة الحديثة، لولا وجود نظام سياسي لديه القابلية لتلك النماذج، لما سمح به ولم يكن بالإمكان أن نسمع عنه في عالم لا يرى إلا حين ينهار أحد جدرانه؟!
في المضمون والخلاصة، إبستين ليس مجرد رجل ثريّ انزلق إلى عالم الجرائم، ولا مستشار مالي عاش على هامش السلطة، ولا وسيط مهووس بالنفوذ، لكنّه نقطة تقاطع بين طبقات متعددة من سلطة المال، الأكاديمية، الدبلوماسية، الخاصة المؤسسات الخيرية، والشبكات الاجتماعية التي تتحرك خارج أي إطار رسمي، لكنها تصنع أثراً يفوق أثر المؤسسات نفسها.
القصة كما ينقلها المترجم الطائي كانت تتبُّعاً لحركة نموذج نفوذ ولد في نيويورك منتصف السبعينيات، حين بدأ كشاب مجهول قبل أن ينتقل إلى «بيرستيرنز» عام 1976، ليصبح خلال أيام في موقع لم يصل إليه كثيرون ممن قضوا سنوات طويلة في المهنة، تلك القفزة مثلت الجذور الأولى لشبكة تمددت لاحقا إلى عوالم أكبر من المال بكثير.
أدرك إبستين أن هناك مساحة رمادية بين الاقتصاد والسياسة؛ بين المجتمع الراقي والدوائر الحكومية، وأن هذه المساحة رغم أنها خارج القانون، فإنها الأكثر إنتاجاً للنفوذ.
بداية السقوط يوم فتحت قضية «بالم بيتش» عام 2005، حين ظهرت الشقوق في الجدار الذي بناه حول نفسه، وتكشفت هشاشة النموذج القائم على السرية الشخصية، فالاتفاق القضائي عام 2008 كان تأجيلاً للسقوط وليس انتصاراً له، ثم جاء الاعتقال عام 2019 ليحوّل الشقوق إلى انهيار كامل، بسبب الوثائق المرعبة التي بانت بالتحقيقات.
ثم يطرح السؤال: ماذا بعد السقوط؟ في الكتاب يتبيّن أن النموذج بقي، لكن تغيرت الأدوات وكرّت سبحة التنصل من اسم «إبستين»، بعد أن صار مصدر شبهة فساد وتُهم أخلاقية.
من الخلاصات المهمة القول إن شبكة إبستين انتهت، لكن ما بقي وجود عالم تُبنى فيه الثروة بطرق غير مرئية وتتحرك فيه الأموال بسرعة الضوء.
تلك الفضيحة كانت نقطة تحوّل في شكل الرقابة المالية وفي آليات التحقيق وفي سياسات الجامعات وفي تعامل المؤسسات مع التبرعات الخاصة، وفي استعداد الإعلام الأميركي والغربي لإعادة فتح ملفات كان يمكن قبل 10 سنوات أن تبقى مغلقة.
ما يعنينا من هذا العرض، ونتفق فيه مع المترجم وما توصل إليه، أن ثقافة الصمت الاجتماعي وسهولة اختراق المؤسسات والخلط بين النفوذ المالي والشرعية، ما زالت آثارها تظهر بطبعات جديدة، وهذا هو الأخطر.