اختطاف الوعي الصحي ومسؤولية الحماية الوطنية (الطيبات 2/2)
إن الخسارة الفادحة للمجتمعات ليست فقط عندما ينتشر المرض، بل عندما يفقد الناس القدرة على التمييز بين الدليل العلمي واليقين الزائف. وعندما تُصبح الشاشة أكثر سُلطة من الجامعة، والرواية ووكالة «يقولون» أقوى من البرهان، فإن الخسارة لا تقع على مريضٍ واحد، بل تمتد إلى الأسرة، ثم المجتمع، فالدولة نفسها.
في مقالنا السابق، فككنا البنية السيكولوجية والاجتماعية لـ «الطب الشعبوي»، ورأينا كيف تقاسم عشرات الأطباء تركة الترند الرقمي بعد رحيل الدكتور ضياء العوضي، وكيف تدفع حالات بريئة- كالطفلة منيرة- حياتها ثمن هذا الاختطاف المعرفي.
واليوم، ننتقل إلى جوهر القضية من منظور التخطيط الصحي والاستراتيجي: كيف نواجه هذه الادعاءات بميزان العلم العادل والمنطق القائم على البرهان؟ وكيف نحمي مجتمعنا من التلاعب بالوعي الصحي والمقدس الديني؟ إن الهدف الأساسي هنا ليس الانتصار في معركة شخصية ضد أفراد أو محاكمتهم، بل إنقاذ الإنسان وحماية الأمن الصحي المجتمعي عبر فرز الحقائق من الأوهام.
تفكيك الادعاءات بميزان العلم
دعونا نزن أبرز الادعاءات الصارخة التي تروجها هذه الموجة بميزان الدليل والضرر المتوقع بوضوح تام.
أولاً، أطلَّت علينا تلك الدعوة الصادمة التي تُبيح، بل وتشجع، تناول «السكر الأبيض بكميات هائلة ومن دون قيود»، والادعاء بأن الإفراط في السكريات المصنعة والحلويات لا علاقة له بالأمراض، في تحدٍّ صارخ وجريء لكل المبادئ الفسيولوجية المستقرة.
هذا الادعاء ينسف عقوداً من البحوث المحكمة التي تربط السكر طردياً بمقاومة الانسولين، وتفشي السمنة المفرطة، واضطراب التمثيل الغذائي.
الضرر هنا فادح، إذ يدفع مرضى السكري ومتلازمة الأيض نحو حافة الفشل العضوي التام، واهتراء الأوعية الدموية، تحت وهم الحصول على «طاقة فورية» غير منضبطة.
ثانياً، برزت في ذات النظام أطروحة صارخة أخرى تهاجم أطعمة كاملة عالية القيمة الغذائية، مقابل السماح والإفراط في تناول «المقليات والزيوت المهدرجة والمصنعة» كأصل علاجي.
إن علم كيمياء الحيوية وأمراض القلب والشرايين يثبت بالأدلة القاطعة أن الدهون المتحولة (Trans Fats) هي المتهم الأول في رفع الكوليسترول الضار وضخ العصيدة الدهنية داخل الشرايين التاجية.
إحلال المقليات محل التغذية المتوازنة ليس مجرَّد «رأي مغاير»، بل هو دعوة صريحة لإجهاد الكبد وانسداد الشرايين، واختزال خطير لمفهوم التغذية العلاجية في قالب يفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان السريري.
ثالثاً، وهو الأشد وطأة وإيلاماً لأطباء السكري وجراحي الأورام، التشكيك في المؤشرات الطبية المعتمدة للأمراض المزمنة (كالسكر التراكمي، وضغط الدم، والسرطان)، والإيحاء للمرضى بإيقاف علاجاتهم واستبدالها بنمط حياة بديل.
هناك فرق شاسع علمياً بين تحسين نمط الحياة كعامل مساعد داعم للمنظومة العلاجية، وبين إلغاء العلاج الدوائي أو الكيميائي الأصلي المعتمد على دراسات سريرية منضبطة.
إن تأخير العلاج بحجة «تنظيف الجسم من السموم» أو «تنشيط الخلايا»- وهي مصطلحات لغوية شبه علمية فضفاضة- لا يجعل الخطاب علمياً، بل هو بيع للوهم يدفع ثمنه المريض من حياته وصحته.
اختطاف النص القرآني المقدس
وتأويل الوحي
من المحاور الأكثر حرجاً وعُمقاً في ظاهرة الطب الشعبوي، هو استخدام قدسية النصوص القرآنية الشريفة والسنة النبوية المطهرة كدروع أيديولوجية لحماية الآراء الطبية الشخصية من النقد العلمي المنهجي.
إن إقحام آيات الذكر الحكيم والأحاديث الشريفة في سياقات الوصفات العلاجية العشوائية يمثل استغلالاً خطيراً للعاطفة الدينية الجياشة لدى عامة الناس.
إن المريض المسلم، بدافع من إيمانه العميق، ينقاد تلقائياً لكل ما يُربط بـ «قال الله وقال رسوله»، وهو ما يتلقفه أصحاب هذا الفكر لتمرير فرضياتهم غير المنضبطة علمياً، وإضفاء صبغة «القداسة» على بروتوكولات لم تمر يوماً بأبسط قواعد البحث السريري أو المختبري.
وهنا يجب أن نصدح بالحق كمسؤولين ومفكرين وأطباء: هناك فرق بنيوي حاسم ومفصلي بين النص الإلهي المعصوم وبين الفهم البشري القاصر المتغيِّر له. القرآن الكريم هو كتاب هداية وتشريع وإعجاز روحي، ولم ينزل ليكون دليلاً بديلاً عن مختبرات الفسيولوجيا، وعلم العقاقير، ومشارط الجراحين.
إن تنزيه آيات القرآن الكريم والسنة النبوية عن الابتذال الرقمي والتوظيف النفعي في «الترندات» هو فريضة شرعية وضرورة علمية، فلا يجوز ربط النص القرآني المطلق والثابت بنظريات غذائية أو طبية ظنية ومتحولة، لأن فشل التجربة الغذائية أو انتكاس المريض قد يؤدي- لضعاف النفوس- إلى التشكيك في صِدق النص والمقدس نفسه، وهو منزلق عقدي وفكري خطير.
إن تحويل الغذاء إلى عقيدة علاجية جامدة، والاستقواء بالنص الديني لإسكات صوت المنطق والدليل العلمي، مسلك غير سليم يضر بالوعي الديني، ويهدد الديناميكية البيولوجية للجسد معاً.
إن النص ثابت لا يُختبر، أما الفهم البشري والاجتهاد الطبي فيُراجع ويُصحح ويُدحض إذا خالف البرهان السريري القاطع وعرّض النفس البشرية للهلاك. لقد رغَّبنا الإسلام في التداوي وطلب العلم، وجعل «لأهل الذكر» في كل تخصص مكانتهم المرجعية، وأهل الذكر في الطب هم العلماء والباحثون والمؤسسات الصحية المعتمدة، لا صُناع المحتوى عبر منصات التواصل.
استراتيجية بناء المناعة الصحية والوطنية
كيف نواجه كدولة ومجتمع هذا السيل الجارف من التضليل الرقمي؟ إن المواجهة لا يمكن أن تكون عشوائية، بل تتطلَّب بناء حصون وقائية استراتيجية على مستويات عدة، تبدأ من «المناعة الصحية الفردية»، بأن يرفع كل مواطن ومقيم شعاراً نقدياً: لا تبحث عمَّن يطمئنك بالوهم، بل ابحث عمَّن يفسر لك بالدليل. قبل أن تتبع نصيحة تظهر على شاشة هاتفك، اسأل عن مصدرها، وعن الإرشادات الطبية المؤسسية التي تدعمها، ومدى قبولها للنقد المعرفي.
وعلى مستوى الأسرة، يجب أن نحمي كبار السن وأفراد عائلاتنا بالحوار الهادئ والمنطقي من دون سخرية أو مواجهة حادة تؤدي إلى العناد، فلا نترك القرار الطبي عرضة للاجتهادات الجماعية أو الترندات العابرة، وإذا وقع قريب تحت هذا التأثير، نطلب منه الهدوء وعرض الأمر على استشاري مختص في المنظومة الطبية الرسمية.
أخيراً، إنها مسؤولية الدولة والمؤسسات الصحية والتعليمية، عبر تطوير الإعلام الصحي المؤسسي لمواكبة العصر الرقمي، وتضمين التفكير النقدي الطبي في مناهج التعليم، وسن وتفعيل تشريعات صارمة وعادلة تحمي الأمن الصحي العام، وتضع أنظمة إنذار مبكر ومراقبة لمكافحة التضليل الصحي على المنصات.
إن حماية المجتمع من التضليل الصحي ليست قضية طبية عابرة أو فنية محدودة، بل هي قضية وعي مجتمعي، وأمن وطني، ومسؤولية تاريخية وأخلاقية تقع على عاتقنا جميعاً لحماية أجيالنا وصيانة مكتسباتنا الصحية.
*وزير الصحة الأسبق