تجارة الوهم وسيكولوجية المخلص الصحي (الطيبات 1/ 2)
أخطر الأوبئة في عصرنا قد لا تبدأ بفيروس، بل بفكرة. فكرة تنتقل عبر الشاشة، تتحوَّل إلى يقين، ثم إلى قرار، ثم إلى مريض يوقف علاجه أو أب يحرم رضيعته من الحليب، لندخل في مضاعفات لا تظهر في التعليقات ولا تُقاس بعدد المشاهدات. إن الخطر يبدأ عندما يمرض الإنسان، ثم يقتنع هو والمجتمع أنه لم يعد بحاجة إلى العلم والطب أصلاً.
«دكتور أحمد، تكفى الحقنا... معانا حالة طفلة رضيعة، اسمها منيرة، عمرها ما تجاوز تلات شهور ونص! البنت ياتنا بحالة توقف تنفس كامل (Arrest) والتهاب رئوي حاد، واضطرينا نحطها على أجهزة التنفس الاصطناعي بالاستقبال... الكارثة إن أبوها الله يهديه ممشيها على نظام (الطيبات) وخرافات الشاشة، وموقف عنها رضاعة الحليب بالكامل من شهر، وقاعد يعطيها أكل ما يتحمله جسمها! البنت الحين تدش معانا بنوبات هبوط سكر متكررة وخطيرة، وآخر قراءة للسكر كانت 3! مو قادرة أركب لها أي خط وريدي، الأوردة ميتة، ونحتاج نركب لها قسطرة وريدية مركزية (CVP) بشكل عاجل وفوري عشان نرفع الجلوكوز وننقذ حياتها... الحالة حرجة وتضيع من إيدينا!».
من واقع هذه الاستغاثة الطبية المزلزلة التي استقبلتها غرف العناية المركزة، نفتح ملفاً بات يؤرق كل غيور على الأمن الصحي في بلدنا. لقد رحل الدكتور ضياء العوضي عن دنيانا، لكنه لم يرحل وحيداً، بل خلَّف وراءه إرثاً هائلاً في وسائل التواصل الاجتماعي، وترندات ضخمة بلغت الآفاق. وما إن غاب عن المشهد، حتى تلقفت هذا الإرث طائفة من صانعي المحتوى وبعض الأطباء، فصارت لهم كنزاً ثميناً. تسابق أكثر من خمسين طبيباً لتقاسم هذه «التركة الترندية»، وورثوا ملايين المتابعين الذين ضجت بهم المنصات، وبدأوا في جني الثمار المادية وتطبيب الناس عبر الشاشات، مستغلين حاجة البشر الفطرية إلى الشفاء، من دون وازع من علم أو ضمير.
سيكولوجية الألم والبحث عن اليقين
من واقع خبرتي الطويلة في أروقة الجراحة وعلاج السرطان والسمنة المفرطة، عاينت كيف يتصرَّف الإنسان عندما يباغته المرض المزمن أو الخبيث، أو عندما يحتار في صحة أطفاله. إن المريض في لحظة الضعف الإنساني لا يبحث عن نسب مئوية أو احتمالات علمية معقدة، إنه يبحث عن «اليقين المطلق». الألم المزمن ينهك الروح قبل الجسد، ويجعل النفس أرضاً خصبة لقابلية التصديق، والتعلق بأي قشة تمنحها الأمل أو تبسط لها العلاج.
هذه الثغرة النفسية هي البيئة المثالية التي يولد فيها ما يمكن أن نسميه «الطب الشعبوي» (Populist Medicine). وهو خطاب ذكي، يعرف كيف يخاطب العواطف، ويقدم نفسه باعتباره «المخلّص الصحي» الذي يملك المفتاح السحري لكل المعضلات التي عجزت عنها المستشفيات والجامعات، والضحية دائماً هم الأبرياء مثل الطفلة منيرة.
سمات الطب الشعبوي وتفكيك الخطاب
إن مَنْ يتأمل هذا السلوك المجتمعي يجد أن الطب الشعبوي يرتكز على ركائز ثابتة؛ أولاها مهاجمة التعقيد العلمي وتبسيطه إلى حد الابتذال، وتقديم تفسير واحد أحادي لكل الأمراض، مثل إرجاع كل عِلل الجسد إلى نوع معيَّن من الطعام أو «السموم».
ثانياً، يقوم هذا الخطاب على شيطنة المؤسسات الطبية الرسمية ورفضها، وتصويرها ككيانات نفعية تتاجر بآلام الناس.
ثالثاً، وهو الأشد خطورة، إحلال التجربة الفردية محل الحقيقة العلمية المطلقة، فالعيادة بالنسبة لهم هي منصة «تيك توك» أو «إنستغرام»، والمريض ليس حالة طبية تُدرس في الجامعات والمختبرات، بل أصبح «محتوى رقمياً» يجلب المشاهدات والمتابعين والأموال.
وهنا تتقدَّم الحكاية على الدليل العلمي، فنحن كبشر مخلوقات عاطفية، تحركنا الحكاية وتجذبنا القصة الإنسانية المؤثرة، لاسيما في عصر هيمنة الفيديو القصير الذي يختزل الحقائق العلمية في ثوانٍ معدودة. يعتمد صانعو المحتوى الجُدد على إبراز «قصص النجاح المعجزة»، وهو ما نطلق عليه علمياً فخ «انحياز الناجي» (Survivorship Bias).
إنهم يظهرون مريضاً واحداً يقول إنه شُفي تماماً بعد ترك علاجه الكيميائي أو الدوائي أو بعد اتباعه نظاماً غذائياً متطرفاً، لكنهم يخفون في ذات الوقت مئات الحالات التي تدهورت، أو الأطفال الذين شارفوا على الموت خلف أبواب العناية المركزة بعيداً عن الكاميرات.
الحكاية الإنسانية مؤثرة جداً، ولها دورها في الدعم النفسي، لكنها- بمسؤولية الطب وعقود الجراحة والسياسات الصحية- ليست دليلاً علمياً يُبنى عليه بروتوكول علاجي للبشر.
إن خطورة هذه الظاهرة تتجاوز الفرد، لتضرب الثقة في المنظومة الصحية بأكملها، وهو ما يستدعي وقفة استراتيجية جادة لحماية وعي المجتمع وأمنه الصحي قبل فوات الأوان، وهو ما سنفصله في مقالنا القادم.
* وزير الصحة الأسبق