«كاف» والحَجاج *

نشر في 05-06-2026
آخر تحديث 05-06-2026 | 08:14
 سليمان البسام

منذ تولّيه منصبه الجديد قائداً للحملة التوعوية الوطنية «طفح الكيل»، صار المواطن «كاف» كثير الهمّ. يمضي ساعات طويلة وهو يفكّر كيف يرصد التأفف والسلبية في المجتمع، ثم كيف يهدّئهما. احتار «كاف» أمام حجم المعضلة، وحتى مساعده الرقمي بات يكرر حلولاً لا جدوى منها إلى أن وصل الأمر بـ «كاف» أن يتهرب من اتصالات مديره تجنباً للإحراج. ومن ثِقل هذي الهموم وقع «كاف» كعادته في نومٍ عميق، وفي منامه رأى رجلاً مخيفاً ينظر إليه بازدراء، وعرف أنه الحجاج بن يوسف، فارتجف «كاف» خوفاً، ثم رآه خاطباً في جمعٍ من الناس قائلاً:

«أيها الأوباش والغوغاء،

نحن لكم بالمرصاد.

نرى من يقفل سيارته،

ومن يطفئ ليتاته،

ومن يتعاطف مع الأوغاد ويترحّم على أمواتهم،

ومن يعدّ النمل سراً،

ومن يستغلي سعر الزبيدي،

ومن يُفتي فيما لا يعنيه،

ويعنيه ما يُفتى به،

ويسأل من لا يُسأل،

ويتقرب من المقرّبين،

ويتسلّق الأسوار،

ويحلم بالكافيار،

وكلُّ من ظنّ نفسه هامور،

أو هارب من القرقور، 

وكلُّ من جرّب حظّه،

ومن لا حظّ له - طاح حظه!

فاحذروا يوم الصاخَّة الإدارية، يوم تُبعثر الجيوب والدفاتر، وتُنشر القوائم، ويُسأل المرء عمّا أخفى وما أعلن، ويوم تَبيضُّ وجوهُ المصفّقين وتسودُّ وجوه المتنهّدين. فلا تقولوا: لم نُنبَّه. ولا تقولوا: كنّا غافلين. فقد قامت عليكم الحجة، وجاءكم البيان، ووُضعت الأوزار، ومن ثَقُلت عليه كلمته فليملأ فمه بالماء... انتهى البيان».

استيقظ «كاف» ودوَّن ما أتاه من سفاح بني أمية وأرسله لمديره، وفي اليوم التالي تمت مكافأته بدرع made in China، ووعده مديره بتخصيص قسيمة صناعية، ففرح «كاف» وبدأ يخطط لمشروع مصنع أطراف صناعية، وأخذ يفتش في هاتفه عن رقم العميل النتن «شلومو» الذي سبى حبيبته وقتل فؤاده... قائلاً لنفسه: الضرورات تبيح المحظورات. 

--------------------------

* الحجاج بن يوسف الثقفي قائد عسكري أموي شهير.

back to top