عندما أخطأت حديقة نيويورك في قراءة التاريخ
حسناً فعل الروائي والشاعر شربل داغر بمداخلته عن تسمية شعراء من أصول لبنانية بأنهم سوريون، بعد أن خرجت أصوات عديدة تطالب بعدم سلب «الهوية اللبنانية» عن أمين الريحاني، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبوماضي، وإعطائهم «هوية سورية»، كما فعلت إحدى حدائق نيويورك باللوحة التي كتبتها على نصب تكريمي يخص أعضاء «الرابطة القلمية»، وقد تراجعت لاحقاً، وصححت المسمى.
وعند التطرق إلى الأصول لدى أيّ مجموعة، تبرز حساسية الموضوع بشدة، خاصة بعد تشكيل الدول في بلاد الشام والمنطقة العربية عموماً، والتي أعيد رسم حدودها الجغرافية إثر أفول الإمبراطوريات التي حكمت المنطقة كالرومان والعثمانيين وغيرهم، وحلّت الدول العظمى مكانهم، التي استعمرت وقسّمت المنطقة وفق مسطرتها ورؤيتها.
ويعرض الأستاذ الجامعي شربل داغر التغيّرات التي لحقت بمسميات منطقة بلاد الشام، فهناك ولاية سورية 1865 أيام العثمانيين وولاية حلب.
وقد ضمّت ألوية أخرى إلى ولاية سورية، كما تشير الدراسات التاريخية، ما لبثت أن انفصلت عنها، كلواء القدس وألوية بيروت وطرابلس وعكا واللاذقية ونابلس.
ويستند داغر إلى عدة وقائع، منها أن اللبنانيين والسوريين كانوا يسمون بـ «الأتراك»، ويُنسب هذا القول إلى الأديب البرازيلي خورخي أمادو، وتسمية اللبنانيين والسوريين الذين غرقوا في السفينة تايتانيك، حيث وضعوا تحت مسمى السوريين، كما أطلقت تسمية «الشوام» على المهاجرين من لبنان وسورية إلى مصر.
وفي مذكرات كميل شمعون، التي كتبها قبل أن يصبح رئيسا للبنان، يروي أنه كانت تحكم لبنان سورية «اتفاقية المصالح المشتركة»، حينها ذهب شمعون إلى واشنطن كممثل للبلدين عند تأسيس وإنشاء الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان بارعاً ومؤثراً بالمناقشات، وناطقا باسم مصالح اللبنانيين والسوريين معاً.
تلك وقائع تاريخية وجغرافية ثابتة، ولا غلوّ في ذلك أو مغالطات، وفي مرحلة طويلة من تاريخها السياسي والاجتماعي لم تكن بينها حدود تفصلها، إلى أن حطّت اتفاقية سايكس بيكو رحالها في أراضينا، فقد كان ابن طرابلس بشمال لبنان يقيم ويعمل في حلب واللاذقية على سبيل المثال، وابن بيروت والجبل يذهب إلى فلسطين يتملك هناك ويبني ويؤسس شركات ويقيم أعمالا، وهكذا كانت المسميات تُطلق على الأماكن والألوية ومَن يسكن فيها وفق التقسيمات الإدارية التي أوجدتها الإمبرطوريات الحاكمة، وصولا إلى العصر الاستعماري الأوروبي.
بلاد الشام ليست بدعة أو تعدياً على الهويات الإقليمية، والتداخلات بين العائلات التي عرفتها تلك المنطقة لا تُعدّ ولا تُحصَى، فعائلة غرغور انطلقت من يافا يوم قايض عميدهم «البرتقال اليافاوي» بسيارات المرسيدس، وأصبح وكيلا لها في الشرق الأوسط منذ عام 1936، واتخذ من بيروت منطلقا لأعماله وتوسّعه، وعائلات كتانة وسرسق وعودة وبيدس والصباغ وخوري، لبنانيين من أصول فلسطينية.
لقد عرف لبنان بعد الاستقلال حالة من الازدهار الاقتصادي والسياسي بعد نكبة 1948 للفلسطينيين الذين جاؤوا إلى لبنان، وبعد التأميم في مصر عام 1952 والتأميم في سورية عام 1961، وتدفّق ثروات النفط من بلدان الخليج العربي في الخمسينيات والستينيات، ليتحول هذا البلد إلى «سويسرا الشرق».