بُعد آخر: 12 عاماً انتظاراً!

نشر في 02-06-2026
آخر تحديث 01-06-2026 | 19:43
 د. عبدالرحمن بدر القصّار

منذ بداية المرحلة الثانوية، يتخيل كثير من الطلبة يوم تخرجهم. ليس الشهادة فقط، بل اللحظة كلها: ارتداء روب التخرج، التقاط الصور مع الأصدقاء، وداع مرحلة استمرت اثني عشر عاماً من العمر. لذلك، عندما يُثار الجدل حول حفلات التخرج، فإن الحديث لا يدور حول مناسبة ترفيهية أو ليلة احتفالية عابرة، بل حول ذكرى ينتظرها الطلبة سنوات طويلة قبل أن يعيشوها مرة واحدة فقط.

ومن الإنصاف القول إن لوزارة التربية مبرراتها في إصدار «الضوابط العامة للفعاليات والاحتفاليات» بتاريخ 30 أبريل 2026، للحد من المبالغة في التكاليف والمظاهر ومراعاة أوضاع الأسر المختلفة. لكن هل كان حصر حفلات التخرج في مسارح المدارس هو الوسيلة الأنسب لتحقيق ذلك؟

في أدبيات الحوكمة، لا يكفي أن يكون هدف القرار صحيحاً، بل يجب أن تكون الوسيلة مناسبة أيضاً، فإذا كانت المشكلة هي المبالغة أو ارتفاع التكاليف، فهل يكون الحل بحصر حفلات التخرج داخل مسارح المدارس فقط، أم بوضع ضوابط تنظمها وتمنع التجاوزات؟

فالوزارة لا تتحمل تكاليف هذه الحفلات، كما أنها ليست إلزامية وتُقام بالتنسيق بين الطلبة وشركات تنظيم الحفلات. وفي المقابل، يواجه قرار قصرها على مسارح المدارس تحدياً عملياً واضحاً، خصوصاً في مدارس المرحلة الثانوية التي تضم أعداداً كبيرة من الخريجين، فكيف يمكن لمسرح مدرسي أن يستوعب مئات الطلبة وعائلاتهم في مناسبة ينتظرونها منذ سنوات؟ وكيف يمكن للطالب أن يعيش هذه اللحظة التاريخية إذا اضطر إلى تقليص عدد الحضور من أسرته وأقاربه بسبب محدودية المكان؟

المشكلة هنا ليست في تنظيم الحفلات، بل في أن الحل المتاح قد خلق تحديات جديدة دون حل المشكلة، فليس كل الحفلات مبالغاً فيها، وليس كل أولياء الأمور يرغبون في الشكل نفسه من الاحتفال، ولهذا فإن إعطاء المدارس وأولياء الأمور مساحة من المرونة ضمن ضوابط واضحة قد يكون أكثر توازناً من الاكتفاء بخيار واحد للجميع.

ومن الممكن تحقيق ذلك بوسائل عديدة، مثل وضع قواعد تحد من المبالغة في التكاليف، أو اعتماد أماكن مناسبة ومعتمدة لإقامة الحفلات، أو منح المدارس مرونة أكبر لاختيار الصيغة الأنسب وفق أعداد الطلبة وظروف كل مدرسة.

وهنا تتجدد فكرة تناولناها في مقال سابق حول «رُشد القرار»، فالقرار الرشيد هو القرار الذي يحدد المشكلة بدقة، ويعالجها دون أن يخلق مشكلات جديدة قدر الإمكان. ولا خلاف على أهمية ترشيد الإنفاق والحد من المبالغة، لكن يبقى السؤال: هل تحقق الصيغة الحالية هذه الأهداف دون أن تؤثر على جودة المناسبة؟ فعندما لا تتناسب مساحة المسارح مع أعداد الخريجين وعائلاتهم، فستصبح تجربة التخرج أقل من التوقعات التي انتظرها الطلبة سنوات طويلة.

في النهاية، لا يدعو أحد إلى البذخ أو المبالغة في حفلات التخرج، كما لا يمكن تجاهل حرص الوزارة على العدالة وترشيد التكاليف، لكن التخرج ليس مناسبة عادية يمكن تعويضها، بل محطة ينتظرها الطالب وأسرته سنوات طويلة ولن تتكرر. لذلك، فإنه من المناسب إيجاد صيغة جديدة للحفلات تحقق الانضباط دون أن تنتقص من قيمة المناسبة، «فبعض الذكريات لا تُقاس بتكلفتها، بل بما تتركه في النفوس».

* متخصص في الحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا

back to top